ابروكس بارك .. ملعب تكرهه كرة القدم

إنه صباح الثالث من يناير لعام 1971. الصمت والحزن يطبقان على اسكتلندا بأكملها. تدرك الزوجة الآن أنها فقدت زوجها للأبد، يحاول الأب استيعاب وفاة ابنه كذلك، أضف إلى ذلك العديد من الأقارب والأصدقاء الذين استيقظوا صباح ذلك اليوم ليدركوا حقيقة الأمر. فقدت اسكتلندا 66 من أبنائها في ملعب كرة قدم!

مجموعة وكوارث متعاقبة تجعله واحدا من الملاعب التي يكرهها جمهور كرة القدم بامتياز، فليس من المقبول أبدا أن تموت بسبب شغفك وعشقك الأول. مرحبا بكم في ابروكس بارك، جلاسجو، اسكتلندا.

ظل فريق جلاسجو راينجرز يتنقل بين ملعب تلو الآخر منذ 1872 حتى استقر أخيرا في ابروكس بارك في 30 ديسمبر 1899 عندما فاز 3-1 على فريق هارتس.. كانت المباراة هي الأولى على الملعب المشؤوم.

الشكل الحالي لابروكس بارك لا يشبه تماما الشكل القديم للملعب بين 1899 و 1997، والسبب؟

سلسلة من الحوادث نستعرضها سويا في هذا الملعب شهدت مدرجاته على وفاة ما يقرب من 94 مشجعا في حوادث متفرقة أبكت اسكتلندا كثيرا في كل سنة مع كل ذكرى.

1902 – مأساة بريطانية

نحن الآن في الخامس من شهر أبريل قبل 114 عاما تقريبا، 1902 بالتحديد. يبدو جليا أن الساعة الرابعة والربع مساء حسب التوقيت المحلي. منتخب اسكتلندا يواجه نظيره وجاره في المملكة، الانجليزي الشهير.

يحضر المباراة ما يقارب 80 ألف متفرج في ابروكس بارك الذي كلف بناؤه حوالي 20 ألف جنيه استرليني، مبلغ كبير بالتأكيد قبل 114 عام.

لم يمر أكثر من 51 دقيقة من عمر المباراة حتى وقعت كارثة هي الأولى في تاريخ المملكة المتحدة مع كرة القدم.انهيار جزئي في المدرج الغربي الذي تم بناؤه حديثا بسبب أمطار شديدة ليلة المباراة ليسقط على اثره المئات مسافة قدرت بـ40 قدما (12 متر تقريبا).

أعلنت الصحف عن أخر حالة وفاة بعد ثلاثة أسابيع من الحادث ليبلغ إجمالي الوفيات 26، يضاف إليهم مصابين وصل عددهم إلى 547 حسب جريدة "هيرالد سكوتلاند".

الغريب هنا أن المباراة توقفت لحوالي 20 دقيقة بينما تم استكمالها منعا لأي تطورات أخرى، لم تحتسب النتيجة النهائية وتم إعادة المباراة في فيلا بارك بمدينة برمنجام الانجليزية وذهبت عائدات المباراة لضحايا ابروكس.

الأمر كان سيئا للغاية هناك أسفل مدرجات ابروكس، الكثير من الدماء وجثث يصعب التعرف عليها.

ويليام روبرتسون (25 عام) لم يستطع والده العثور عليه بين المصابين فتم نقله على الفور إلى ثلاجة الموتى ليرى ان كان ويليام الشاب بين من سقطوا أمواتا، ويبدو أن الأمر قد اختلط عليه هناك من هول ما رأى وأقر بأن ابنه وسط هؤلاء.

وبينما كان يستعد الوالد المكلوم للجنازة، عاد ويليام روبرتسون إلى بيته في منطقة بينسفورد بمدينة فالكيرك.

على الفور، أمرت السلطات بتغيير المدرجات القائمة على القوائم الحديدية والمقاعد الخشبية ليظهر ابروكس بعدها بالمصاطب الاسمنتية تفاديا لأي كوارث، وهو ما لم يحدث للأسف!

G568a51560d951.jpg

1963 – جرس إنذار

لطالما كان المخرج المؤدي إلى محطة قطار "كوبلاند رود" الذي يعرف بإسم الممر رقم 13 مثيرا للجدل والقلق، في هذا العام بالتحديد رفعت بعض المذكرات التي تبدي قلقها، فكانت بمثابة جرس انذار للكارثة القادمة.

الشرارة الأولى كانت في سبتمبر 1961، حادث في المخرج رقم 13 سببه التزاحم يؤدي إلى وفاة مشجعين. ما بين 1967 و 1969 ذكرت الصحف المحلية وجود حادثين منفردين كذلك نتج عنهم الكثير من الإصابات بدون وفيات هذه المرة.

أخيرا، واستجابة للمطالب الرسمية وغير الرسمية قامت إدارة نادي جلاسجو راينجرز بإجراء بعض أعمال الصيانة والتحسينات الخاصة بمنطقة الممر رقم 13.

1971 – مشهد النهاية

"صرخ الجميع في البداية، عودوا.. عودوا. ولكن حل الصمت فجأة بعد ذلك لأن الناس شعروا أن الهواء قد انحسر وتم سحبه من داخلهم".

"كل شيء بداخلك يستنزف في مثل هذه المواقف. ظننت أني هالك لا محالة، كنت متأكدا مئة بالمائة."

ايان لوش (63 عام) يحكي في عام 2010 ما شهدته أعينه القلقة في ذلك اليوم المشؤوم من عام 1971.

ولكن لنعود للخلف قليلا.. ما هو الحدث الذي شهد هذه الكارثة في الأساس؟

إنه دربي "اولد فيرم" الشهير، أحد أشهر الدربيات المحلية في المملكة المتحدة بين فريقي سيلتيك وراينجرز، من موسم 1971-72 تحديدا وبحضور ما يقرب من 80 ألف متفرج في رقم ربما كان قياسيا.

كان من المفترض أن تقام المباراة في الأول من يناير، إلا أن السلطات قد ارتأت أنه سيكون من الأفضل لو تم تأجيل المباراة لمدة 24 ساعة لاعتبارات تنظيمية.

عودة إلى كبينة التعليق..

الكرة معلقة في السماء والساعة تشير إلى الدقيقة 89..

يا إلهي! هدف أول لسيلتيك في وقت قاتل هنا في ابروكس.

فعلها أصغر لاعب في سيلتيك.. إنه جيمي جونستون برأسية جيدة.

لحظات وتنتهي المباراة..

جووووووول.. إنها حقا دراما كرة القدم..

كولين ستيلين يعادل النتيجة من كرة ثابتة كانت هي الأخيرة قبل صافرة النهاية.

ما حدث بين الهدفين هنا وهناك لم يتوقف عند فرحة أصحاب القميص الأخضر أو القميص الأزرق فقط للأسف.

هناك، عند المخرج رقم 13، بدأت الجماهير بترك المدرجات قبيل هدف سيلتيك ويبدو أن الكثير منهم قد قرر أن يعود مرة أخرى للاحتفال بعد أن سجل راينجرز هدف التعادل.

إلا أن أحد المشجعين قد تعثر وسقط بين الأقدام على الدرج في نفس الوقت الذي يركض فيه الناس إما خروجا أو عودة باتجاه المدرج، لتبدأ اسوأ كارثة كروية في تاريخ اسكتلندا.

بينما تذكر الروايات الرسمية أن أيا من هذا لم يحدث، وأن المتفرجين جميعا قد غادروا أماكنهم في نفس الوقت تقريبا وهنا وقعت الكارثة.

نعود من جديد إلى ايان لوش الذي نجا بأعجوبة فيكمل حديثه..

"ركضت فوق الكثير من الأجسام لأنقذ نفسي. لم يكن لدي أي فكرة إذا كان هؤلاء أحياء أم أمواتا.

لا أعلم ما الذي حدث لاحقا، فقط أتذكر أن مسعفا أدركني وطلب مني أن يفحصني، لا أتذكر حقا كم مر من الوقت."

وصل عدد الوفيات في الثاني من يناير 1971 إلى 66 بينهم 14 طفلا، كان أصغرهم نايجل باتريك (8 سنوات)، بينما وصل عدد المصابين إلى أكثر من 200 حالة. كان الاختناق سببا كافيا لإزهاق أغلب الأرواح في "اليوم الأسود".

G568a51567863b.jpg

ظلت كارثة ابروكس بارك هي الأسوء في تاريخ الكرة البريطانية، حتى وقعت كارثة هيلزبروه التي راح ضحيتها 96 مشجعا لفريق ليفربول الانجليزي عام 1989.

كارثة ابروكس جعلت البريطانية تعيد النظر في معايير السلامة الخاصة بالملاعب الرياضية خاصة كرة القدم، والملعب حاليا -بعد العديد من التعديلات- أصبح لا يتسع سوى لما يقرب من 51 ألف متفرج.

فيديو اليوم السابع