أخبار عاجلة

استرداد الأموال بين الوهم والحقيقة || بقلم شحاتة محمد شحاتة

استرداد الأموال بين الوهم والحقيقة || بقلم شحاتة محمد شحاتة استرداد الأموال بين الوهم والحقيقة || بقلم شحاتة محمد شحاتة

 

شحاتة محمد شحاتة

منذ أيام قليلة أصدر الرئيس القرار بقانون رقم 28 لسنة 2015 بإنشاء وتنظيم اللجنة القومية لاسترداد الأموال والأصول والموجودات فى الخارج، وبالطبع سيلقى هذا القرار قبول شعبي لدى البعض، وسيستقبله الكثير بالتهليل والتصفيق لاعتقادهم أن الإرادة السياسية المفقودة لاسترداد الأموال المصرية المنهوبة والمهربة للخارج ستعود، وأن هذا القانون هو بداية الطريق الصحيح، ولكن يؤسفني أن هذا المقال سيكون سببًا فى زوال هذا التفاؤل لماذا؟ لأن هذا القرار نسخة مكررة من ثلاثة قرارات سبقته، بل وتتطابق معه تمامًا من كافة النواحي حتى فى الجهات المشكل منها هذه اللجنة واختصاصات كلا منها مع بعض الاختلافات البسيطة.

كانت أول هذه القرارات هو القرار الذى أصدره المجلس العسكري بتاريخ 4 أبريل عام 2011، والذي نص على تشكيل لجنة قضائية، برئاسة المستشار عاصم الجوهري تتولى اتخاذ الإجراءات التحفظية اللازمة لمنع الرئيس السابق وأفراد أسرته من التصرف فيما قد يتبين وجوده من أموال عقارية أو منقولة أو حسابات مصرفية خارج جمهورية العربية ومتابعة تنفيذ ما صدر من أوامر بتجميد هذه الأموال في الدول الموجودة بها واتخاذ إجراءات كشف السرية طبقًا للقوانين الداخلية لهذه الدول.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد ففي 7 يونيو عام 2012، أصدر رئيس مجلس الوزراء قراره رقم 620، الذي نص فيه على (المادة الأولى) تشكل مجموعة العمل القومية التنسيقية للأجهزة المعنية باسترداد الأموال والأصول المصرية المهربة في الخارج، برئاسة رئيس مجلس الوزراء أو من يفوضه وتم تشكيل اللجنة من وحدة مكافحة غسيل الأموال ووزارة العدل والخارجية والداخلية، والبنك المركزي، والنيابة العامة، والأمن القومي، ونص القرار على اختصاص اللجنة بتفعيل جهود استرداد الأموال و الأصول المهربة في الخارج ووضع استراتيجية قومية لاستردادها ومتابعة تنفيذها.. الخ.

ثم بتاريخ 30 أكتوبرعام 2014 أصدر المهندس ابراهيم محلب قراره رقم 1963 بتشكيل اللجنة الوطنية التنسيقية لاسترداد الأموال والأصول المصرية المهربة فى الخارج والذى نص فى المادة الأولى منه- تُشكل لجنة تسمى (اللجنة الوطنية التنسيقية لاسترداد الأموال والأصول المصرية المهربة فى الخارج) برئاسة وزير العدل وعضوية كل من: مساعد وزير العدل ووحدة مكافحة غسيل الأموال والتعاون الدولى بوزارة العدل والنيابة العامة ومباحث الأموال العامة والأمن القومى ووزارة الخارجية وهيئة الرقابة الإدارية والبنك المركزى كما نص أيضا على ان تضع اللجنة خطة عمل لاسترداد الأموال والأصول المصرية المهربة للخارج الى اخر القرار الذى يعتبر تكرارا لسابقه القرار رقم 620 لسنة 2012 والبند الوحيد المختلف هو البند رقم 6 الذى نص على الغاء القرار السابق له.

ثم نفاجأ اليوم (وبعد إعلان سويسرا إيقاف التعاون مع مصر بشأن ملف استرداد الاموال المجمدة لديها) بقيام رئيس الجمهوريه بإصداره قراره رقم 28 لسنة 2015، الذى نص على أن تشكل اللجنة، برئاسة النائب العام، وعضوية التعاون الدولى بوزارة العدل، والكسب غير المشروع، ووحدة غسيل الأموال، والبنك المركزي، ووزارة الخارجية والمالية والأمن القومى والبنك المركزى والانتربول والأمن الوطنى ومباحث الاموال والرقابة الإدارية، كما نص أيضا على أن تتولى اللجنة وضع استراتيجية قومية لاسترداد الأصول والأموال المهربة للخارج وتمثيل مصر أمام الدول لاسترداد هذه الأموال إلى آخر القرار الذى يعتبر نسخة طبق الأصل من سابقيه، وأعتقد أن من حق هذا الشعب وقبل تشكيل لجنة رابعة أن تجيب على بعض الأسئلة المشروعة مثل – ماهى الإجراءات التى قامت بها اللجان السابقة؟ والى ماذا وصلت في هذا الملف؟ وكم صرفت من أموال وبدلات؟ وكم دولة سافر أعضاء هذه الجان؟ والحصيلة النهائية لاعمال هذه اللجان؟ وفي النهاية لماذا تم تشكيل غيرها طالما أنهم جميعًا يشكلون من نفس الجهات ويتم منحهم نفس الاختصاصات ؟ أعتقد ان كل هذه الأسئلة مشروعة وتحتاج لإجابات من حق المواطن أن يعرفها بوصفه صاحب هذه الأموال التى تقول الحكومة أنها تسعى لاستردادها وعلى الرغم أننى أعرف مسبقًا أنني لن أتلقى أو غيري إجابات شافية على هذه الأسئلة، إلا أننى أطرحها من باب الحديث مع النفس وحتى يعلم القابعون هناك على مقاعدهم الوثيرة أن هناك من يتابع هذا العبث بعقول وأموال هذا الشعب.

كلمة أخيرة أقولها لهم وهى أنه إذا كانت هناك إراده حقيقية لاسترداد هذه الأموال فالمعركة ليست هنا في مصر ولايحتاج الأمر لكل هذه اللجان والقرارات والقوانين فالمعركة هناك أمام القضاء السويسري، بل وقضاء كل الدول الموجودة بها هذه الأموال فلا استرداد لهذه الأموال بدون رفع قضايا أمام القضاءالسويسري وقضاء كل الدول التى بها أموال مسروقة من قوت هذا الشعب -حسبما تنص عليه الماده 53 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد الموقعة عليها مصر وأكثر من 170 دولة أخرى بينها الدول المطلوب رد أموالنا منها- وهذه المادة تنص على:
> على كل دولة طرف، وفًقا لقانونها الداخلي:

(أ) أن تتخذ ما قد يلزم من تدابير للسماح لدولة طرف أخرى برفع دعوى مدنية أمام محاكمها لتثبيت حق في ممتلكات اكتسبت بارتكاب فعل مجرّم وفقا لهذه الاتفاقية أو لتثبيت ملكية تلك الممتلكات.

(ب) أن تتخذ ما قد يلزم من تدابير تأذن لمحاكمها بأن تأمر من ارتكب أفعالا مجرّمة وفقا لهذه الاتفاقية بدفع تعويض لدولة طرف أخرى تضررت من تلك الجرائم.

(ج) أن تتخذ ما قد يلزم من تدابير تأذن لمحاكمها أو لسلطاتها المختصة، عندما يتعين عليها اتخاذ قرار بشأن المصادرة، بأن تعترف بمطالبة دولة طرف أخرى بممتلكات اكتسبت بارتكاب فعل مجرّم وفقا لهذه الاتفاقية، باعتبارها مالكة شرعية لها.

واذا كنتم لاتعرفون هذه الاتفاقية وهذا النص فهذه مصيبة وإن كنتم تعرفون ولاتنفذون ماجاء بها فالمصيبة أعظم أما مسألة استمرار إيهام المواطنين بأنه يجب أولا الحصول على أحكام بالإدانة الجنائية ضد المطلوب رد أموالهم هنا في مصر، فهذا الأمر أصبح غير مقبول على الإطلاق ولايجوز الاستمرار في تضليل الشعب بهذه الأفكار غير الصحيحة لأن الاتفاقية تضمن رد الاموال بدون هذه الأحكام لأنها ببداهة قد افترضت في مواد اخرى وفاة أو هروب الشخص المراد استرداد الأموال التى قام بتهريبها، وهذه ليست عبقرية فهناك العديد من الدول استطاعت بالفعل استرداد أموالها مثل نيجيريا وبيرو والفلبين، بل وتونس استردت جزء من أموالها المهربة بواسطة أحد أقارب زين العابدين فالاسترداد عبارة عن إجراءات وإعداد ملفات بكل حالة على حدة واستمرار الاتصالات دون انقطاع بين الطالب والمطلوب منه الرد هذا اذا خلصت النوايا وقد يكون هناك عدم وجود رغبه لدى بعض الدول في عدم الرد ولكن الإلحاح من جانب الدولة الطالبة واستخدام كافة السبل القانونية قد يضع هذه الدول في حرج مما يدعوها مرغمة على الرد مثل حالة الفلبين ولكن اذا اكتشفت هذه الدول مع الوقت أن الدولة مالكة الأموال لاتنفذ الاستحقاقات القانونية ولاتهتم بهذه الاموال فانها تجد المبرر القانوني لإيقاف التعامل كالحالة المصرية السويسرية، وقد أكد الواقع العملى فى تطبيق أحكام الاتفاقية أن التجارب الدولية أثبتت أن إعادة الأصول غير الشرعية تتطلب شراكة قوية بين الدولة مصدر الأموال المهربة والبلد المطلوب منها الاسترداد، وهو الأمر الذى مازال ضعيفًا وغير فعال بشكل كبير لدينا في مصر، وهذا يرجع لأسباب متعددة يأتى على رأسها الإرادة السياسية لاسترداد هذه الأموال .

شحاتة محمد شحاتة مدير المركز العربي للنزاهة والشفافية

أونا