أخبار عاجلة

الكافرُ هو الذي لا ينفذ أوامري

هذه مُقدمات نظريةٌ فيما ينبغى أن يكون عليه الأقباطُ فى الدولة المدنية الحديثة، التى ننتوى إقامتها وتأسيسها على مبادئ القانون والعدل والإنصاف، بعد أن أسقط المصريون دولة القرون الوسطى التى جاء بها الإخوان فى ثورة 30 يونيو، وبعد أن أسقط المصريون - من قبلها - دولة الغشم والفساد والاستبداد فى 25 يناير.

أكتبها، والمصريون يحتفلون، بميلاد الأكرمَيْن: أحمد والمسيح عليهما أفضل الصلاة والسلام، وقد حفزنى إليها ما قرأتُ فى صدر الصفحة الأولى من «المصرى اليوم»- الثلاثاء 30 من ديسمبر- منسوباً إلى بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، وقد أزعجنى ما قرأت، فبادرت بالاتصال ببعض من أشقائى الأقباط، وهم من أهل البصر ومن ذوى البصيرة، فوجدتُ فى بعض النفوس مرارات حبيسة، وفى بعضها ملامةً مكتومةً، ولم يُخطئ قلبى أن تحت الرماد ناراً نخشى أن يكون لها ضرامُ.

من تأسيسها على يد محمد على فى أوائل القرن التاسع عشر، إلى تقويضها على يد محمد مرسى فى أوائل القرن الحادى والعشرين، كان الأقباط - من قاعدة المواطنة دون سواها- يشاركون فى بناء الدولة الوطنية المصرية الحديثة، فإذا تقلصت قاعدةُ المواطنة، تراهم ينسحبون- فى هدوء- يلوذون بالصمت أو يتشاغلون بالصمت.

المؤمنُ- فى عقيدة الدولة المدنية الحديثة- هو من ينفذ القانون. وكذلك، فإن الكافر- فى عقيدة هذه الدولة- هو من يكسر القانون أو يخرج عليه.

وعلى هذا الأساس، فإن الدولة تقفُ على الحياد فى شأن الإيمان الدينى لمواطنيها، فلا عليك أن تكون من أهل هذا الدين أو ذاك، فلن تكون لك مزايا أكبر لو كنت من دين الأغلبية، ولن ينالك ظلمٌ لو كنت على دين الأقلية.

الدينُ حُرية مُطلقةٌ لك، لا إكراه فيها عليك، تستمتع بها، عن ضمير واقتناع ذاتى منك. أما القانون فهو التزامٌ جبرى، تلتزم به طواعية من نفسك، أو جبراً، وقسراً، وقهراً، من خلال الإكراه الشرعى، عبر حق الدولة فى احتكار القوة وممارستها عليك، لبسط سلطة القانون العام على جميع المكلفين به.

الدينُ هو عقائدُ البشر. القانون هو عقائدُ الدولة. وهذا هو- باختصار شديد- معنى الدولة المدنية الحديثة.

إليكُم هذا الدرس التطبيقى، فى معنى الدولة المدنية، كما أرساها محمد على باشا: كبيرُ السُّياس- قسم الخيول والمركبات- كان مسلماً، وأمينُ السرِّ كان مسيحياً. أصدر محمد على توجيهاً لكبير السُّياس أن يصرف فرساً من فصيلة جيدة، ويمنحها لأمين السِّرِّ ليركبها فى تنقلاته. كبيرُ السُّياس- بعقلية الدولة القديمة التى ترى المسيحى أقل فى باب المواطنة من المسلم- اجتهد فى تنفيذ الأوامر، فصرف فرساً من النوعية الرديئة لأمين السر.

اكتشف محمد على باشا أن الفرس به عيوب، استدعى كبير السُّياس إلى الديوان، وسأله: «كيف اخترت فرساً معيباً، لتعطيه إلى فلان، بينما أمرتُك أن تُعطيه فرساً جيداً...؟!».

فأجاب كبيرُ السُّياس: «لكن الفرس الذى اخترتُه يا سيدى حسنٌ جداً، بالنسبة لكافر...!».

فقال له محمد على باشا: «إن الكافر هو الذى لا ينفذ أوامرى». وعوقب- فى الحال- ونُصبت له الفلكة، وضُرب بالعصا على قدميه.

بوضوح شديد، أريدُ أن أقول إن تقاليد التمييز بين المسلم والقبطى، فى القرون الثلاثة من الحكم التركى لمصر، لم تكن من عقائد الإسلام العربى أو المتمصر، ولم تكن من سلوك المصريين من أى عرق كانوا، بل كان هذا التمييز من خصائص الإسلام التركى الغازى، هذا الإسلام التركى جاء معه بتقاليد متخلفة من أوروبا القرون الوسطى، من تقاليد السادة الإقطاعيين والنبلاء فى تعاملهم مع من دونهم من الناس، وعلى هذا الأساس، كُنا نؤمر ونُجبر- نحن المصريين من مسلمين ومسيحيين- أن نخلع أحذيتنا وننزل عن ظهور دوابنا، حين نقترب أو نمر قريباً من سادتنا الأتراك، هذه الروح التركية المتغطرسة طبعت السياسة المصرية لعدة قرون، ولكنها بقيت فى العاصمة وفى إطار النخبة الحاكمة، وكانت تجعل التركى فوق المصرى، مسلماً كان أم مسيحياً.

محمد على باشا أوقف زحف هذا الميراث التركى البغيض، ولكننا لم نتخلص- بعد- من كل ذيوله، ومازالت الثقافة التركية البغيضة مبثوثة فى عقليتنا الباطنة، فمثل كبير السُّياس نُعطى الأقباط الوزارات الأضعف- باستثناء الوزير منير فخرى عبدالنور- ونعطيهم المحافظات الهامشية، ونخصص لهم المناصب غير الفعالة.

لقد أزعجتنى الكلمات المنسوبة إلى بابا الإسكندرية، وأرجو أن تكون غير صحيحة، فهى- تحت أى مبرر - زلَّةٌ لاتليقُ بجلال موقعه الرسولى المهيب.

الحديثُ مُستأنفٌ.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة