أخبار عاجلة

إرهاب «داعش» والتفسيرات الدينية المتحجرة محور مناقشات ملتقى أبوظبي الاستراتيجي

إرهاب «داعش» والتفسيرات الدينية المتحجرة محور مناقشات ملتقى أبوظبي الاستراتيجي إرهاب «داعش» والتفسيرات الدينية المتحجرة محور مناقشات ملتقى أبوظبي الاستراتيجي

سيطر إرهاب «داعش» على مناقشات ملتقى أبوظبي الاستراتيجي الأول، الذي انطلق أمس في قصر الإمارات بأبوظبي بمشاركة خبراء وسياسيين بارزين من مختلف دول العالم، حيث دعا المشاركون إلى ضرورة تبني استراتيجية دولية واضحة، ورؤية شاملة لمجابهة التنظيمات المتطرفة في منطقة الشرق الأوسط وعلى رأسها تنظيم «داعش».

كما طالبوا بضرورة التخلي عن عقلية القرن العشرين المبنية على سوء الظن وتبادل الاتهامات بين الدول العظمى والاستعاضة عن ذلك بعقلية جديدة للقرن الحادي والعشرين تتعاطى مع قضايا العصر الحديث والتي أصبحت تهدد مصالح الجميع، كما دعوا إلى أهمية العمل على بلورة نظام إقليمي في الخليج العربي يقوم على التعاون والتنسيق المشترك لمحاربة أي تنظيمات متطرفة في المستقبل.

وأكد معالي الدكتور أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية وزير الدولة لشؤون المجلس الوطني الاتحادي، في الكلمة الافتتاحية للملتقى الذي ينظمه مركز الإمارات للسياسات بالتعاون مع وزارة الخارجية.

 أنه في هذه الأوقات المضطربة هناك حاجة مُلحة إلى تعزيز فهمنا المشترك للتحديات الإقليمية والعالمية، وتوحيد تفكيرنا الاستراتيجي لمواجهة التهديدات الناشئة، وهذا الأمر ينطبق تماما على منطقة الشرق الأوسط حيث يتعرض السلام والاستقرار الإقليمي للخطر مرة أخرى.

تحديات

وعدد معاليه التحديات الكثيرة التي تواجهها المنطقة اليوم واصفاً إياها بأنها غير مسبوقة وهي: الحرب الطائفية في سوريا والعراق، الناتجة عن أنظمة الحكم القمعية والظهور السريع لتنظيم «داعش» المدعوم بوصول المقاتلين الأجانب من أرجاء العالم، وأعمال العنف من جانب الميليشيات، وفشل الدولة في ليبيا، والهجمات ضد سيادة اليمن من جانب المتمردين الحوثيين الممولين من الخارج وأعمال العنف الأخيرة في غزة، واستمرار الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين.

وقال معاليه: إنه في مواجهة هذه التهديدات هناك حاجة إلى زيادة الحوار، وتنسيق الجهود، وتدرك دولة الإمارات العربية المتحدة مسؤولياتها الإقليمية، وهي على استعداد للعمل في إطار جهد جماعي.

وأشار معاليه إلى أنه لا يمكن التعامل مع أي من هذه التحديات من جانب الفاعلين الإقليميين فقط، بل تتطلب تنسيق الجهود من خلال استراتيجية شاملة وحشد سلسلة من الوسائل.

وأضاف معاليه: من الضرورة بمكان أن نرى الصورة الاستراتيجية من بين حطام الوضع الراهن المعقد، ويتعين علينا معرفة القيم التي يتوجب حمايتها ودعمها بنجاح، مثل: الهوية الوطنية والاستقرار وتوجه منفتح حول الطريقة التي يجب من خلالها حكم المجتمعات والدول.

ويجب علينا رفض عدم الاستقرار الناجم عن الطائفية والتفسيرات الدينية المتحجرة والمنغلقة، وهذه النظرة الاستراتيجية المدعومة بالقيم يجب أن تظل حاضرة خلال التعامل مع الاضطرابات الراهنة، ومن دون هذه الرؤية الواضحة فإن الكثير من أفعالنا وجهودنا الجماعية ستبدو عقيمة وغير فاعلة.

وأشار معاليه إلى أن الحضور الواسع للملتقى شاهد على الحاجة الملحة إلى مزيد من الجهود المنسقة التي تستند إلى استراتيجية شاملة، وقبل انخراطكم في نقاشات اليوم اسمحوا لي تسليط الضوء على بعض القضايا المركزية المهمة لدولة الإمارات في المنطقة وتُعَدُّ مهمة للوضع الراهن.

الإمارات حذرت من التطرف

وأكد معاليه أن دولة الإمارات حذرت بشكل متكرر على مدى السنوات القليلة الماضية من التهديد المتزايد الذي يشكله الفاعلون والأيديولوجيات المتشددة على منطقتنا، وفي حين أن بعض حلفائنا اعتقدوا أننا نبالغ في الحذر غير أن صعود داعش يؤكد حجم هذا التهديد، وبدلا من التحول نحو الاعتدال من خلال الانخراط، فإن ما يسمى «الإسلاميون المعتدلون» ينجرون بشكل متزايد نحو صفوف الجماعات المتطرفة.

وهذا يثبت خطأ محاولة التفريق بين الأشكال «المعتدلة» و«المتطرفة» للتشدد الايديولوجي، ومما لا شك فيه أن الكثير من هذه الحركات التي يصفها البعض بأنها «معتدلة» توفر البيئة لتطرف أكبر، وظهور مجموعات مثل القاعدة وداعش، لذلك فإن مواجهة التهديد الذي تشكله هذه الجماعات تتطلب استراتيجية واضحة وشاملة.

تسامح

من جهة أخرى، أكد معالي الدكتور قرقاش أنه يتعين علينا الاعتراف بأن هؤلاء الفاعلين وايديولوجياتهم المتطرفة بطبيعتها لا يمكن تحويلها نحو الاعتدال أو التأثير عليها أو احتواؤها، فهي تتعارض أساساً مع قيم التسامح والأجندة المعتدلة التي تجمعنا هنا في دولة الإمارات مع شركائنا في العالم، ويتعين علينا الحفاظ على جبهة موحدة في مواجهة هذه الجماعات والأيديولوجيات.

وقال معاليه: لا يمكننا محاربة التشدد في مكان ما في الوقت الذي نحاول فيه استرضاءه في مكان آخر من أجل مصالح سياسية، ولهذا السبب هناك حاجة إلى إطار استراتيجي وفكري حول أسباب التشدد والطريقة المثلى للتعامل معه.

وأشار معاليه إلى أن محاربة التشدد تتطلب سلسلة واسعة من الأدوات والجهد المستدام من جانب المجتمع الدولي، ومع أن العمليات العسكرية والتعاون الاستخباراتي سيشكلان جزءاً مهماً من هذه الجهود، غير أنه من الأهمية بمكان توسيع التعاون في ما بيننا إلى مجالات أخرى أيضاً.

خاصة قدرتنا على إصلاح الأوضاع السياسية على الأرض من أجل تعزيز المكاسب العسكرية، ومن الطبيعي أن تشتمل الإجراءات الأخرى على فرض قيود على الأموال والهجرة إضافة إلى خطوات أخرى في المجالات الثقافية والتعليمية، ودولة الإمارات على استعداد للتعاون مع شركائها في هذه المجالات كافة.

سوريا والعراق

وفي ما يخص سوريا والعراق، أشار معالي الدكتور أنور قرقاش إلى أن حالة عدم الاستقرار الراهنة في سوريا والعراق تعد مثاراً لقلقنا جميعاً حيث يتسع نطاق العنف والأيديولوجية الطائفية بشكل متزايد، ليتجاوز حدود الدولتين للتأثير على الدول المجاورة.

ويشكل ملايين اللاجئين السوريين والعراقيين عبئاً اقتصادياً قوياً على الدول المجاورة، وتهديداً للاستقرار السياسي، كما أن الصراع في كلا الدولتين أدى إلى تورط فاعلين خارجيين يستغلون الوضع على الأرض من أجل توسيع نطاق نفوذهم.

وأضاف معاليه لكنّ دوافع عدم الاستقرار في سوريا والعراق تتجاوز التحدي الراهن الذي يشكله داعش والجماعات المتشددة الأخرى، وقال: لعل صلب المشكلة يتعلق بالسياسات الإقصائية والطائفية التي انتهجتها الحكومات المعنية، ما مهد الطريق أمام الفاعلين المتشددين، وفي العراق وفر تشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة إلى جانب الأمر الذي طال انتظاره وهو تعيين وزير جديد للدفاع أمس سبباً للتفاؤل الحذر.

لكن يتعين الإشارة إلى التصريح غير المبرر الذي صدر مؤخراً عن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في تعليقه على التصريح الذي صدر في وقت سابق عن نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن، حيث أدت تصريحات العبادي للأسف إلى تقويض استعداد الكثير من الدول في الخليج لطي صفحة حكومة نوري المالكي الطائفية والإقصائية، ونظراً لأهمية وأولوية تشكيل حكومة وطنية ومُنصِفة في بغداد فإن تصريحات العبادي أثارت شكوكاً مؤسفة حول وضع صعب أصلاً.

وأضاف أن فشل المجتمع سمح على التصرف بشكل مبكر حول الوضع في سوريا إلى انزلاق الوضع نحو الفوضى، وهناك حاجة الآن إلى عمل دولي من أجل دعم الفاعلين المعتدلين، وتزويدهم بالوسائل لمحاربة التشدد وعدم التسامح، وفي حين أن الضربات الجوية الدولية تلعب دوراً مهماً في وقف تقدم «داعش»، غير أنها في نهاية المطاف غير كافية بمفردها.

الاستقرار في

وفي ما يخص مصر قال معاليه: في تقديرنا فإن أي استراتيجية تهدف إلى إحلال السلام والاستقرار والاعتدال في العالم العربي تتطلب نجاح مصر، وبعد سنوات من عدم الاستقرار بدأت مصر أخيراً بالعودة إلى الأمن والتنمية وهي في طريقها إلى استعادة مكانتها التاريخية والضرورية في قلب العالم العربي، وهذا الأمر في غاية الأهمية لمنطقتنا بأكملها، ويعَد إحلال الاستقرار والاعتدال في مصر حجر الزاوية للاستقرار الإقليمي ويقف حاجزاً أمام انتشار التشدد.

وأوضح معاليه بأنه يتعين على المجتمع الدولي تقديم كل وسائل الدعم المتاحة إلى المصرية لمنع البلاد من العودة إلى الانزلاق نحو الفوضى وعدم الاستقرار، وتحملت دولة الإمارات والسعودية جزءاً كبيراً من المسؤولية عندما تعلق الأمر بدعم التنمية الاقتصادية في مصر.

والدرس الذي تعلمناه خلال السنوات الأخيرة هو أن الوظائف والنمو الاقتصادي يعَدّان أكثر إجراءات الوقاية فاعلية ضد الأيديولوجيات المتطرفة والكراهية الطائفية، لافتا إلى أنه لضمان إحلال الاستقرار في مصر ومنطقة الشرق الأوسط فإن من الضروري أن يحذو المجتمع الدولي حذونا من خلال تقديم دعم أكبر إلى الحكومة المصرية واحترام حقوق السيادة المصرية بالتعامل مع الإرهاب والاضطرابات على أراضيها بطريقة عادلة.

الملف النووي الإيراني

وتطرق معالي الدكتور قرقاش في كلمته إلى إيران، وقال إن دول الخليج وإيران تعيش في منطقة جغرافية واحدة وتتحمل مسؤولية مشتركة تجاهها، وفي هذا الإطار ترحب دولة الإمارات بالمفاوضات النووية بين مجموعة 5 + 1 وإيران، لكن يتعين على أي اتفاق مستقبلي مع إيران حول برنامجها النووي أن يكون محْكَما، والفشل في التوصل إلى اتفاق راسخ يمنع الانتشار النووي قد ينطوي على انعكاسات خطيرة ليس على المنطقة فحسب بل على العالم من خلال تقويض اتفاقية الحد من الانتشار النووي.

وأشار معاليه إلى أنه يتفق كثيراً مع تصريحات وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل الأخيرة خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده مع نظيره الألماني، حيث فَرَّقَ بين الدولة والمجتمع الإيراني من جهة، وسياسة إيران التوسعية والعدائية من جهة أخرى، ونحن نرحب بالأولى ونعتبرها جاراً تاريخياً وجغرافياً يستحق الاحترام، ونرى إمكانية استمرار التعاون معها.

لكنْ مواصلة توسيع النفوذ الإيراني في العالم العربي تُمثل مشكلة رئيسية في العلاقات بين مجلس التعاون وإيران، والعلاقات بين إيران والعرب بشكل عام، والقائمة طويلة وتضم البحرين وسوريا والعراق ولبنان واليمن مؤخراً.

كما أن حقيقة أن سياسة طهران الخارجية طائفية متأصلة تؤدي إلى زيادة حدة التوتر في المنطقة، ولعل إقامة علاقات تعاون مريحة بين العرب وإيران ستعتمد كثيراً على عدم التدخل، واحترام الكيانات الوطنية، وسيادة السياسات الوطنية.