أخبار عاجلة

تجديد الفكر الدينى (4)

ومع إصدار الشيخ على عبدالرازق كتابه الشهير والرائع «الإسلام وأصول الحكم» أصبح الكتاب هو محور معركة التجديد. واشتبك مخالفوه ومؤيدوه فى معارك كلامية ضارية، جعلت من فكرة التجديد نقطة حوار بين كثيرين من مثقفى ذلك الزمان، وانتقل الصراع من ميدان الأزهريين إلى المفكرين والمثقفين المدنيين. ونبدأ بموقف كان ولم يزل مثاراً لدهشة الباحثين هو موقف سعد زغلول زعيم ومؤسس الحزب الليبرالى الأكبر حزب الوفد، ونقرأ لسعد زغلول «قرأت كثيراً للمستشرقين ولسواهم فما وجدت ممن طعن منهم فى الإسلام حدة كهذه الحدة فى التعبير على نحو ما كتب الشيخ على عبدالرازق.. لقد عرفت أنه جاهل بقواعد دينه، بل بالبسيط فى نظريته وإلا فكيف يكتب ما كتب؟ ثم هو يؤيد قرار هيئة كبار العلماء بإخراج الشيخ من جماعتهم زاعماً «أن ذلك أمر لا علاقة له مطلقاً بحرية الرأى التى تعنيها السياسة». ونعرف أن سعدا قد اتخذ ذات الموقف من كتاب طه حسين «فى الشعر الجاهلى» وصاح فى طلاب الأزهر المتظاهرين ضده «هبوه مجنوناً يهرف القول». ونسأل هل هو الموقف؟ أم هى السياسة التى تقف به ضد خصومه فى حزب الأحرار الدستوريين ورغبة فى اكتساب «العامة» على حساب المبدأ؟ غير أن كثيرين من المثقفين ذوى الثقافة الغربية قد ساندوا الشيخ على وكتبوا دفاعاً عنه ومنهم د. منصور فهمى صاحب رسالة الدكتوراه الشهيرة «حالة المرأة فى التقاليد الإسلامية وتطوراتها» والتى أثارت صخباً انتهى بطرد صاحبها من هيئة التدريس بالجامعة. وكان هناك أيضاً محمود عزمى الذى دعا إلى «علمنة» القوانين وتوحيدها لتسرى على جميع المصريين بحيث تجعل من المصريين متساوين تماماً فى الحقوق والواجبات. وانحازت عدة مجلات إلى الشيخ على عبد الرازق ومنها مجلة «الهلال» التى نشرت «إن كل أمة إسلامية حرة فى انتخاب من تريده حاكماً عليها.

وسواء كان الأستاذ على عبدالرازق قد وفق إلى أن يسند نظريته هذه إلى الدين- كما يعتقد- أم لم يوفق فإن هذه النظرية تتفق وأصول الحكم فى القرن العشرين الذى يجعل السيادة للأمة دون سواها من الأفراد مهما كانت ولادتهم وميزاتهم الأخرى» [يوليو 1925]، وكذلك «المقتطف» وكانت مجلة علمية رصينة أيدت الشيخ «لأننا نعتقد أن كل ما قاله حضرة القاضى على عبدالرازق وأمثاله قرين الصواب وخال من الخطأ، ولأننا نرى أن قيام بعض المفكرين ووقوفهم موقف الانتقاد والشك يشحن الهمم ويغرى بالبحث والتنقيب» [أغسطس 1925]. ويكتب سلامة موسى فى الهلال «لعلى عبدالرازق الحق فى أن يكون حراً يرتئى ما يشاء من الآراء دون أن يقيد بأى قيد سوى الإخلاص» [أكتوبر 1925]. وحتى من صفوف حزب الوفد صعدت أصوات تخالف رأى الزعيم الذى لا يجرؤ أحد على مخالفته ففى «كوكب الشرق» يكتب أحمد حافظ عوض «هل لمصر نظام هو الدستور تحكم بموجبه؟ أم لها غير الدستور نظام خفى تمتد عبر ظلماته أيد تفتك بما قرر الدستور من حقوق مثل حرية التعبير والتفكير» [17 أغسطس 1925]. وتحول الجدل إلى نقاش شارك فيه كثيرون من كبار مثقفى العصر ساندوا الشيخ على وكتابه ومنهم «عزيز ميرهم- حسين عامر المحامى- محمد كامل الحمامصى- د. محمد حسين هيكل- طه حسين- عبدالقادر المازنى- أحمد أمين، وغيرهم». لكن هذا الحشد من كبار المثقفين لم يكن سوى قشرة انطلقت فى حماس ثم ما لبثت فى كثير من الأحيان أن تراجعت عن النهج الليبرالى المتكامل وتحولت إلى ما يمكن اعتباره «حل وسط» بين الفكر الليبرالى والعقلانى وبين الفكر التراثى.. وكان على رأس هؤلاء د. محمد حسين هيكل وأحمد أمين. ولأن الحياة تتجدد أبداً فإن الفكر الدينى مطالب بأن يتجدد أبداً وأن تظل معركته متواصلة أبداً.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة