أخبار عاجلة

«تعالى يا أعمى.. وردوا يا غنم»| عبارات لم يغفرها «عميد الأدب» للأزهر

التحرير

ارسال بياناتك

تحتفظ ذاكرة الطفولة بأدق التفاصيل، وتعيد استرجاعها في لحظات التجلّي بعد التقدم في العمر، وربما تكون تلك المنحة الربانية ميزة تخدم أصحابها للحنين إلى الماضي الجميل، أو نقمة تطارد أذهانهم وتنغص عليهم صفو الحياة لما حملته من ذكريات سيئة، تدمع لها العين، أو ينقبض لها القلب، لكنه لم يكن يومًا طفلًا عاديًا، لذا لم تكن ذاكرته تقليدية، وإنما كانت مضاعفة في قوتها واحتفاظها بتفاصيل الأحداث.

عميد الأدب العربي، الدكتور طه حسين، من القامات الثقافية والأدبية التي ظفرت بمكانة عالمية متفردة، فكان سابقًا لعصره، وصاحب رؤية ثاقبة، تخطت حواجز الزمن، لذا كانت صدمة للمحيطين، وصفعة إفاقة للكثيرين، فهو من واجه "جمود" الأزهر، وسحب بساط الريادة من تحت قدميه وفق وجهة نظر الكثيرين من المثقفين والأدباء آنذاك، ومن هنا كان الصدام الدامي الذي وصل إلى حد "التكفير" والاتهام بالزندقة والإلحاد.

"الانطباع الأول يدوم"، ولسوء الحظ كانت مقدمة الانطباع صادمة للطفل "الضرير" الذي أقبل من قريته الصغيرة بالمنيا، متلهفًا لتحقيق حلم حياته وهو الالتحاق بالأزهر الشريف، وما إن دخل على لجنة القيد حتى بادره أحد المشايخ بجملة فزع لها وجدانه
 وهي: "تعالى يا أعمى"، ليودعه بجملة موازية في قسوتها بـ"انصرف يا أعمى"، وهي الجملة التي ظل يتذكرها حتى بعد أن تجاوز الستين. 

لم تكن البداية الصادمة مجرد خطأ فردي من شخص يجهل أقل قواعد المراعاة لمشاعر الغير، ولكن المفاجأة كانت في تسيّد ذلك الأسلوب داخل أروقة الأزهر، بين الأستاذ (الشيخ) وتلاميذه في حلقة الدرس، والذي ظهر من خلال عدة مواقف سجّلها "حسين" من خلال أحاديثه، ومن خلال سيرته الذاتية "الأيام".

وبعد عامين من الاستغراق فى الاستماع إلى دروس الشيوخ وحفظ الكتب المقررة، بدأ طه حسين يشعر بالضيق من قراءة نصوص فى كتاب وشرحها بما لا يفيد، مثل الشيخ الذى ظل ساعات يفسر جملة فى كتاب البلاغة، إلى أن بُح صوته وتصبب عرقًا، وشيخ آخر رفض الرد على تساؤل الصبي قائلًا: "دع عنك هذا، فإنك لا تحسنه!"، وكانت مشكلة "حسين" أنه لا يكتفى بالاستماع وهز الرأس كما يفعل زملاؤه، وإنما كان كثير السؤال ليفهم، ما جعل الشيوخ يضيقون ذرعًا بأسئلته ويردون عليه
 بردود عنيفة.

شاهد أيضا

وقد احتفظ الصبي بذكرى سيئة للشيخ سريع الغضب الذى كان يرد تساؤلات تلاميذه فى عنف شيدي، ويشتم ويلكم وأحيانًا يرميهم بحذائه، وكذلك الشيخ الذى قال له حين كرر عليه السؤال: "أيها الغبى"، وقال حين سأله مرة أخرى: "لن أستطيع أن أكمل وفيكم هذا الوقح"، وهذا ما جعله من الاستماع لدروس النحو، ويكتفي بمذاكرتها من الكتب، ولكنه اصطدم بشيخ يدرس المنطق فوجده يقول:"مما منَّ الله به علىّ أنى استطيع أن أتكلم ساعتين فلا يفهم أحد عنى شيئا!"، كما تذكر أيضًا رد شيخ آخر حينما ألح عليه في السؤال فكان الرد: "اسكت يا خنزير!"، وشيخ آخر كان يتحدث ويسأل الطلاب حوله، ثم يقول لهم: "ردوا يا غنم.. ردوا يا بهائم".

وحينما بدأ "طه" كتابة المقالات الناقدة للأزهر وأسلوب التعليم فيه، تعرض للظلم على يد لجنة امتحان الشهادة العالمية "الدكتوراة"، حتى أن شيخ الأزهر بنفسه أشرف على ذلك، وأصدر تعليماته للجنة بأن لا يجتاز طه حسين الامتحان، وبالفعل هذا ما حدث، ولم يحصل حينها على شهادة الدكتوراة.

كل ذلك ظل قابعًا في نفسه إلى أن تبوأ مكانته العالمية، ففتح نيران النقد على المؤسسة ومشايخها، وكان "طويل اللسان" في نقده، ما أثار عليه عاصفة من الهجوم، ولكن ذلك لم يكن فقط سبب حنق الأزهر عليه، وإنما آرائه الفقهية الجريئة والكاشفة لبواطن الأمور كانت صفعة موجعة للأزاهرة، خاصة فيما أوضحه بكتاب " في الشعر الجاهلي"، والذي خلص فيه إلى أن الشعر الجاهلي منحول، وأنه كتب بعد الإسلام ونسب للشعراء الجاهليين، ما دفع شيوخ الأزهر إلى مقاضاته، لكن المحكمة برأته لعدم ثبوت الأدلة.

التحرير