بالقُرب من ميدان الأوبرا، وتحديدًا في وسط البلد، كان يُوجد "كازينو" يُعرف باسم "كازينو بديعة" ، حيثُ كان مقصدًا لصفوة المجتمع، من الثلاثينيات وحتى بداية الخمسينيات، ومن أهم الشخصيات التي كان يعد لهُم الملهى الليلي من الأماكن المفضّلة، الملك فاروق وجميع حاشيته، حيثُ اعتاد فاروق الذهاب إليه والسهر بهِ أكثر من مرة بالأسبوع، بالإضافة إلى كبار الباشوات في ذلك الوقت.
ولدت بديعة مصابني، 12 نوفمبر 1902، وفيما بعد حضرت إلى مصر مع والدتها وهي في سن صغيرة، بعد أن تركت لبنان ومن لبنان إلى البرازيل، ومن البرازيل إلى مصر، وكانت تتمتّع بديعة، حسب وصف المحيطين بها، بجمال غير عادي، لدرجة أنهم أطلقوا عليها اسم "وديعة" ، ثُم انضمت إلى الفريق الفني، من خلال فرقة جورج أبيض.
وفي عام 1929، قامت بديعة بتأسيس كازينو خاص بها، مُسمى على اسمها، وهو نفس العام الذي قامت من خلاله بابتكار رقصة جديدة عرفت في هذا الوقت بـ"رقصة بديعة" ، فكانت بديعة بمثابة مدرسة للفنون تخرج فيها أهم وأكبر نجوم الزمن الجميل، وتتلمذ على يديها العديد من النجوم، وعلى رأسهم تحية كاريوكا وسامية جمال وببة عزالدين وفريد الأطرش وإسماعيل يس وشكوكو وبشارة واكيم ومحمد عبدالمطلب.
كان كازينو "بديعة" هو كلمة السر وراء الفن الجميل منذ بداية القرن الماضي وحتى منتصفه، وتخرج فيه العديد والعديد من نجوم الزمن الجميل، ولأنّ صاحبته كانت واحدة من كبرى الفنانات الاستعراضيات في ذلك الوقت، توج كازينو بديعة مصابني على رأس كل الكازينوهات ليصبح قبلة الفن في مصر.
ولم يقتصر دور كازينو بديعة على اكتشاف نجوم الزمن الجميل فقط، بل تخرج فيه العديد من النجوم بدأوا مشوارهم مع الفن من خلال كازينو بديعة أو كازينو شهر زاد في فترة السبعينيات والستينيات، مثل سهير زكي وفيفي عبده وهياتم وأحمد عدوية وحسن الأسمر وهاني مهنا وحسن أبوالسعود، وأيضًا صابرين، حيث كانت تذهب مع والدها للعب الأكروبات.
وفي السبعينيات، بدأ مستوى كازينو بديعة في الانخفاض، وذلك بسبب ظهور كازينوهات شارع الهرم والتي تتميز بمستوى مختلف، وحديث نسبيًا عن مفردات الكازينو القديمة، وبالتالي بدأ كبار النجوم الذهاب لتقديم استعراضاتهم بشارع الهرم لتميزه بالإمكانيات المادية الأعلى ليصبح كازينو بديعة مُصنفًا على أنهُ درجة ثانية بجانب كازينوهات شارع الهرم.
مع بداية الخمسينيات، وبعد انحدار مستوى الكازينو، باعته بديعة مصابني لببة عز الدين، وقامت ببة بتغيير اسمه من كازينو "بديعة" إلى كازينو "شهرزاد" ، وبعد ذلك قامت ببة ببيعه أيضًا إلى فتحية محمود، وبعد أن رحلت فتحية محمود أصبح الكازينو ملك زوجها شوقي عبدالمجيد وهو الوريث الشرعي لها والمالك الرسمي للمكان حتى الآن.
مازال الكازينو يحتفظ بشكله القديم الذي أنشأ عليه، وصُوِّر بداخله العديد من الأعمال التي حملت جزءًا من السيرة الذاتيه لبديعة مصابني، وعلى رأسهم فيلم بديعة مصابني الذي أنتح عام 1950 والذي قامت ببطولته نادية لطفي وأخرجه حسن الإمام.
وإلى الآن يتم التصوير بالكازينو، ومن أحدث الأعمال التي صورت به مسلسل "كاريوكا" ، لأنه يحمل أيضًا جزءًا من السيرة الذاتية للفنانة الاستعراضية بديعة مصابني، بالإضافة إلى استخدام الكازينو لتصوير العديد من المسلسلات والأفلام والكليبات.
ورغم احتلال شارع الهرم لنفس المكانة التي احتلها كازينو بديعة بفترة الثلاثينيات حتى الخمسينيات، إلا أن كلمة السر ستبقى مع بديعة مصابني التي كوّنت مدرسة خرجت العديد من العمالقة، فشارع الهرم فقط يذهب إليه كبار النجوم لتقديم استعراضاتهم، أما كازينو بديعة فهو الذي خرّج معظم نجوم الفن والغناء والاستعراض في ذلك الوقت.
أخبار متعلقة :