أخبار عاجلة

الزحام المروري.. المدن تختنق!

الزحام المروري.. المدن تختنق! الزحام المروري.. المدن تختنق!

    تحولّت كثير من الطرق والشرايين الرئيسية في كثير من مدننا لاسيما الكبيرة منها إلى حالة أشبه ماتكون بالمواقف للسيارات وسط حالة الاختناق المروري المتزايدة والتي تشهدها طرقنا والتي يحتاج معها كل قائد سيارة إلى السير والتوقف لساعات طويلة في المسافات القصيرة حتى يصل الى وجهته، وأصبحت "أوقات الذروة" مفتوحة من ساعات الفجر الأولى حتى الساعات المتأخرة من الليل بعد أن كانت تنحصر في فترتي خروج وعودة الموظفين والطلاب من اعمالهم ومدارسهم.

ويزيد العبء على جهاز المرور بوجود الأسواق والمطاعم والمحال الكبيرة على جنبات الطرق مما يتسبب في إغلاق مداخل ومخارج هذه الطرق بأكوام السيارت وخلق حالة من الفوضى المرورية المعتادة في مواقع التسوق، كما جاء التحدي الآخر الذي لايقل أهمية وتأثيرًا على ذلك وهو مشاريع البنى التحتية والمترو وانشاءات الجسور التي تشهدها الرياض وجدة والدمام والتي زادت من حالة الاختناق المروري بشكل غير مسبوق.

ووفقاً لدراسة للهيئة العليا لتطوير الرياض في وقت سابق فإن هناك ما يقارب من ال100 سيارة ألف تجوب شوارع العاصمة الرياض بشكل يومي، مما يحتم تعزيز جميع الإمكانات اللازمة لتفادي مشكلة الازدحام المروري الذي سيحدث، إضافة إلى وجود جملة من مشاريع البنية التحتية والتنموية المساهمة في ذلك الازدحام والمشاريع الخدمية لقاطني مدينة الرياض.

زيادة الازدحام

ومع تنامي أعداد السكان والزيادة الملحوظة في الكثافة السكانية التي تزداد يوماً بعد يوم، ربما نحتاج لإستراتيجية متكاملة تضع حلولاً لمشاكل الازدحام المروري الذي طوق مدينة الرياض والمدن الأخرى الكبرى كالدمام وجده وغيرها، وتقديم حلول عاجلة لمعالجة المشكلة التي تؤرق الكثير من المواطنين والاسر وتتسبب في الكثير من الانعكاسات السلبية على المجتمع اقتصادياً وصحياً واجتماعياً، اضافة الى هدر الكثير من الوقت على هذه الطرق، وأصبح الوضع الحالي وقت ذروة مستمرة طوال اليوم، بسبب سيارات العمالة والشاحنات والحافلات وغيرها.

وامام هذه المشكلة يعيد الكثير طرح قضية اعادة النظر في تغيير أوقات عمل الموظفين والطلاب في المدن الكبرى بحيث يفصل بينها ساعة على الأفل صباحاً وظهراً أو إلزام طلاب وطالبات الجامعات بالنقل الجماعي أو توسيع مسارات الطرق وإعادة تأهيل مداخل الطرق الفرعية مع الرئيسية التي عاده ما تختنق بالسيارات أو وضع حلول تخفف لو نسبيا من الزحام واختناق الطرق الذي أصبح لا يطاق ويستمر من ساعات الفجر الأولى إلى آخر الليل طوال أيام الأسبوع وفي نهاية الأسبوع يكون هنالك زحام من نوع آخر للمتسوقين والأسر التي تتنقل في أطراف المدينة.

منظومة متكاملة

وفي هذا الجانب أوضح سعود النفيعي -رئيس اللجنة الوطنية للنقل بمجلس الغرف - أنّ هناك فئات في المجتمع عملت ذروة متفاوتة من وقت لآخر بسبب الخروج المزدوج في آن واحد مما سبب نوعاً من الزحام، لافتاً إلى أنّ الطرق داخل مدينة الرياض هي مسؤولية أمانة منطقة الرياض والهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض وليس مسؤولية وزارة النقل، ولابد من توافر جهود عدة جهات وإيجاد منظومة متكاملة بين تلك الجهات لحل مشكلة الازدحام، مؤكّداً امتلاك أكثر من (60%) من العمالة في المملكة للسيارات، سبب من أسباب الازدحام.

وأضاف: "لقد طالبت لجنة النقل بمجلس الغرف السعودية تكرار بوضع ضوابط لتمليك الوافدين للمركبات وتحديد موديلات معينة لا تتعدى سنة الصنع بمدة لا تتجاوز ثلاث سنوات، وتعديل المادة في نظام المرور يجيز للعامل الوافد امتلاك سيارة واحدة فقط وليس لأكثر من سيارة حتى لا يكون هناك احتيال والتفاف على الأنظمة"، مبيّناً أنّ من الحلول لمعالجة الازدحام في مدينة الرياض لابد أن يكون هناك فريق مشترك بين أمانة منطقة الرياض والهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض والمرور، من خلال مسؤولية صاحب القرار في تعديل بعض الاتجاهات واستعمال اللوحات التوجيهية على التقاطعات لتحويل الاتجاهات أسوة بالدول الأخرى، وأن هناك عدة من الطرق لابد من تعديلها وأن كلف ذلك إدارة المرور بعض الوقت، مشيراً إلى أنّ المشاريع التنموية الآنية لا يمكن أن تتوقف أو تتعثر، بل يجب أن تتمشى بموجب خطط من قبل فريق عمل واحد ومتخصص على مستوى عالٍ لحل مشكلة معالجة الاختناقات المرورية لإنقاذ مدينة الرياض وغيرها من الازدحام.

كثرة التحويلات

من جهته قال تركي المخلفي -مدير إدارة - "نحن نعاني من أغلب سالكي الطرق من الازدحام المروري يومياً، وذلك بسبب كثرة التحويلات الخاصة بمشروع النقل العام والذي سيعود بالفائدة حال الانتهاء منه، ولكن غالبية الطرق تعاني من الزحام المروري ويمكن إعطاء الحل لها بتطبيق نظام المرور بصرامة تامة مع أي مخالف وخاصة في مخالفات دخول الشاحنات بالطرق الرئيسية في أوقات الذروة أو وقوفها بجانب الطريق، وأيضاً تكثيف الدوريات المرورية بالطرق الرئيسية بشكل مستمر وخصوصاً في أوقات الذروة".

السيارات المتهالكة

وأكّد خالد فهيد -موظف حكومي- أنّ اكتظاظ الطرق خصوصاً وقت الصباح بسيارات العمالة قديمة الصنع والمتهالكة والتي اغلبها تتعطل وسط زحام السيارات تشكل عبئاً على مستخدمي الطرق وسالكيه، مقترحاً أن ينظر المرور إلى إيجاد حل لمنع السيارات قديمة الصنع إلى موديلات معينة من السير، حتى لا يكون هناك تأخير في حركة السير نظير تعطلها المتكرر، مشيراً إلى أنّ العمالة الوافدة التي تعمل كسائقين لدى الأسر والشركات هي جزء من مشكلة الازدحام، نظراً لأنّ غالبية تلك العمالة تتدرب وتتعلم السياقة في المملكة، متسائلاً: لماذا لا يستقطب عمالة مدربة على القيادة بدلاً من تعلمها القيادة داخل شوارعنا.

أوقات الذروة

وذكر محمد الغريب -موظف حكومي- أن معظم مدن العالم خاصة المكتظة بالسكان تعاني هذه الأزمة، وتحديداً في أوقات الذروة، ولذلك نجد المحاولات مستمرة على قدم وساق لحل هذه الاختناقات المرورية، وذلك عن طريق البحث والدراسة والتنفيذ، ومن ذلك فتح الأنفاق وبناء الجسور في المناطق المختنقة مرورياً؛ مما يخفف الازدحام بنسبة كبيرة جداً، وقد يحوله إلى منطقة أخرى مجاورة، فمشاكل المرور في المملكة تعاني من أزمة سلوكية من قائدي المركبات بعدم احترام الأنظمة، وتظهر أزمة في كثير من المواقف مثل قطع الإشارة بدون مبرر، وعكس طريق السير، والسرعة الجنونية، واستخدام الجوال أثناء القيادة، وعدم احترام أولوية السير، وغيرها من المواقف التي تدل بوضوح على أزمة سلوكية حقيقية لدى قائدي المركبات.

وأضاف أنّ من دلائل الازدحام أيضاً تأخر تنفيذ المشاريع، والتي قاربت مدتها لأكثر من 3 سنوات، بالإضافة لتجمع القطاعات الحيوية كالجوازات، والأحوال المدنية، موضحاً أنّه يجب توزيع القطاعات الحكومية بمجمع واحد يوجد به مجمع للخدمات الحكومية في مختلف جهات المدن.

زحام المدارس

بدوره بيّن مشعل القاضي -طالب جامعي- أنّ الازدحام المروري لم يكن فقط محصوراً في أوقات معينة بعكس ما نجده الآن يمتد لساعات طويلة من الصباح حتى المساء، مضيفاً: "نحن كطلاب نعاني من الازدحام المتكرر في الصباح في الطرق المؤدية للجامعة، والتي يصادفها أعمال إنشائية تحد من الوصول للجامعة بوقت محدد، ومما زاد الأمر صعوبة في التنقل والتحرك بشكل سلس"، مطالباً بتكثيف دور دوريات المرور لمنع الشاحنات التي تشارك في عملية السير صباحاً، رغم منعها من ذلك، إلاّ أنّه يوجد منها من يخالف قوانين المنع وتحدث ربكة داخل محيط السيارات الصغيرة.

عوادم السيارات

ومن السلبيات التي تخلقها هذه المشكلة مشاكل عوادم السيارات وما ينتج عنها من تلوث، وفي ذلك يقول د. رضا المحواشي -استشاري الأمراض الصدرية بمستشفى الملك سعود للأمراض الصدرية- أن هناك مصادر غير طبيعية يحدثها أو يتسبب في حدوثها الإنسان ومنها وسائل النقل، مبيناً أنّ هناك أكاسيد النيتروجين الذي ينتج عن عمليات احتراق الوقود في الهواء عند درجات حرارة مرتفعة، كذلك ينتج من احتراق المواد العضوية وأيضاً من (عوادم السيارات والشاحنات) وهو ما يحدث في أماكن الازدحام، مضيفاً أنّ هناك طرقاً للتخلص والوقاية من التلوث الهوائي وخصوصاً ما ينتج في اماكن الازدحام المروري تتمثل في استخدام البنزين الخالي من الرصاص والمازوت الخالي من الكبريت، ‏حتى لا يكون هناك تلوث مصاحب من عوادم السيارات وقت الزحام ضحيته الإنسان، كما تجب مراقبة كافة وسائل النقل الخاصة والعامة والتأكد من سلامة محركاتها واحتراق الوقود بشكل سليم.‏

حلول المشكلة

أكد د. حمد السليمان -دكتوراه في هندسة النقل بكلية الهندسة بجامعة الملك سعود- أن مشكلة الازدحام المروري والسلامة المرورية من أهم قضايا المرور في المدن الكبيرة وهي مشكلة مرتبطة بالنمو الاقتصادي والاجتماعي والنمو السكاني الذي عادة ما يسود في العواصم والمدن الكبيرة. وقال إن حل مشكلة الازدحام المروري من أهم مهمات المختصين في هندسة المرور، حيث يقع على عاتقهم دراسة الوضع المروري الحالي والمستقبلي واقتراح الحلول الآنية والحلول المستقبلية طويلة الأمد الكفيلة بتسهيل حركة المرور وفك الاختناقات المرورية، وتحسين السلامة المرورية، وعادة ما يستخدم مختصو هندسة المرور أسلوبين رئيسيين في معالجة مشكلة الازدحام المروري، وهما: أسلوب زيادة السعة وتحسن كفاءة التشغيل لشبكة الطرق، وأسلوب إدارة الطلب على الحركة والتنقل زمانياً ومكانياً؛ مبينا أن أهم وسائل الأسلوب الأول فتح طرق جديدة وتحويل التقاطعات المحكومة بالإشارات المرورية إلى تقاطعات جسور وأنفاق، ويشمل الأسلوب الأول أيضاً تحسين مستوى إدارة وتشغيل الحركة المرورية على الطرق والتقاطعات مثل تصميم وضبط أزمنة الإشارات المرورية والتنسيق بين الإشارات بما يلائم التغيير اليومي في حركة المرور، وسرعة معالجة أي أمور طارئة معرقلة للحركة المرورية مثل الحوادث وتعطل المركبات، ومثل ظبط المواقف الجانبية لتلافي تأثيرها السيء على سعة الطريق وما شابه ذلك، ومثل التوسع المدروس والمتكامل في استخدام أنظمة النقل الذكية في الطرق والتقاطعات والمداخل والمخارج.

ولفت إلى أن تحسين مستوى إدارة وتشغيل الحركة المرورية مهم جداً ليس من أجل فك الاختنافات فقط وإنما من أجل الحصول على أقصى تسهيل لحركة المرور وتقليل الهدر الغير مبرر في الوقت المستغرق لعابري الطرق، ومن أهم وسائل الأسلوب الثاني تغيير مواعيد الدوام للنشاطات المختلفة وإعادة توزيع أماكن النشاطات والفعاليات إذا أمكن والتوسع في الخدمات الإلكترونية ورفع مساهمة النقل العام، وغير ذلك من الأمثلة.

وأوضح السليمان أن مدينة الرياض تشهد مجموعة من المعالجات حالياً مثل تحويل بعض التقاطعات المحكومة بإشارات مرورية إلى تقاطعات مفصولة بجسور أو أنفاق، وفتح بعض الطرق الجديدة، واستخدام الإشارات المرورية الذكية، ومشروع النقل العام، ومن الموصى به الاستمرار في ذلك ومواكبة الطلب المستقبلي أما بعض الازدحامات في بعض المواقع فيمكن تخفيفها أو حتى إلغاؤها برفع مستوى إدارة وتشغيل الحركة المرورية مثل زيادة سرعة الاستجابة للطوارىء على الطرق من تعطل مركبات أو غير ذلك أو التقاطعات لمنع أو تخفيف حدة الزحام الناتج منها ورفع السلامة المرورية في مثل هذه الحالات، وهنا تكمن أهمية توعية السائقين بأهمية عدم عرقلة الحركة وما يجب عليهم في مثل هذه الحالات، وكذلك ضبط المواقف الجانبية على الطرق التي تعرقل حركة المرور أو تقلل من سعة الطريق وتقلل من سهولة الحركة، وغير ذلك من الأمثلة.

مختص في تخطيط النقل: الإنفاق الضخم على مشروعات الطرق ليس حلاًّ !

أوضح د. سامي الدبيخي -أستاذ تخطيط النقل العام والمدن المساعد بكلية العمارة والتخطيط بجامعة الملك سعود والرئيس التنفيذي لشركة تطوير لخدمات النقل التعليمي- أنّ المملكة وضعت النقل المدرسي خياراً إستراتيجياً، والازدحام المروري سيتصاعد في المستقبل ويحتاج إلى بدائل أخرى، حيث أقرت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض استراتيجية تخطيط النقل مع إنفاق مالي متوازن على الحلول الفعالة لمجابهة الازدحام المروري لا تقتصر فقط على تحسين وتشييد مزيد من الطرق، بل الأهم: إنشاء نقل عام متكاملة وفعالة لمعظم شرائح المجتمع من كبار السن، المعوقين، الأطفال، النساء، والأماكن المزدحمة -وسط المدينة، وأماكن العمل.

وأضاف أنّ مدينة الرياض اليوم بحاجة إلى رديف حقيقي للطرق يتمثل ومن دون منازع في الاستثمار في النقل العام، وعدم الاقتصار على دعم الطرق وإلاّ من الطبيعي سنصل إلى إشكالية الشبكة المقفلة، إن لم نكن قد وصلنا إليها، فلم يعد الإنفاق الضخم على مشروعات الطرق خلال العقود الثلاثة الماضية هو الحل المفضل للمدن الطامحة إلى التنمية المستدامة عالمياً لتوفير التنقل لجميع شرائح المجتمع، بل اصبح الشروع بالاستثمار في النقل العام بعد الانزلاق لعقود من الزمن في تشييد الطرق وحدها يأخذ الأولوية في الدعم والاهتمام الحكومي للعديد من المدن العالمية مثل: واشنطن، أوتاوا، فانكوفر، بيرث، كوراتيبا، كوالالمبور، طهران، القاهرة، دبي وغيرها الكثير.