أخبار عاجلة

التطوع بعد التقاعد أفضل لخدمة المجتمع

التطوع بعد التقاعد أفضل لخدمة المجتمع التطوع بعد التقاعد أفضل لخدمة المجتمع

    التقاعد هو أحد وسائل العصر الحديثة لمنع بطالة الجيل الجديد، بيد أنَّ هذا الأمر قد لا يروق للبعض، إذ إنَّ التخلِّي عن مركز السلطة والقوة، خصوصاً أنَّهم بلغوا أعلى مناصب السلم الوظيفي بعد عناء طويل قد يشكل لديهم صدمة، ويبقى العطاء سمة من سمات الإنسان، كما أنَّ الحنين للماضي بوابة إلى عالم الاكتئاب والحزن، ممَّا يؤدي إلى الضمور في الجسد والإصابة ببعض الأمراض وتقلّبات المزاج، فتؤذي صاحبها وتؤثر على من حوله أيضاً، ويرى البعض أنَّ التقاعد بداية للمصاعب، والسبب يعود كله لعدم التخطيط مادياً ومعنوياً، فيجد الشخص نفسه بعد أعوام طويلة من العمل والكد يجلس من غير حراك وحيداً منقطعاً عن الجميع، يرافق كل هذه الأعراض الإحساس بعدم الفائدة والفراغ الذي يملأ يومه، إلى جانب الاضطرابات العاطفية والرغبة في التجديد بحياته.

أعمال تطوعية

أشارت نوف العمران –موظفة في القطاع الحكومي-، إلى أنَّه لابُدَّ أن يفهم المتقاعد قدراته وطاقاته قبل اتخاذ هذا القرار، هل يستطيع البقاء بالمنزل والابتعاد عن العمل؟، أو البدء بمشروعه الخاص الذي خطط له سنوات طويلة؟، مُضيفةً أنَّه من منظور آخر، فإنَّ هناك من يُفضِّل العمل في القطاع الخاص والشركات، إضافةً إلى الأعمال الاجتماعية والتطوعية، فيعرض خدماته على الجمعيات الخيرية لتقديم استشارات وتدريب وتأهيل.

وأوضحت أنَّ ذلك كلَّه يعود للشخص نفسه وذكائه وطريقة اختياره، موضحةً أنَّه يمكنه أيضاً أن يلعب دور الداعم على مستوى الأسرة، إلى جانب الانخراط بالمجتمع، خصوصاً الأصدقاء المتقاعدين الذين مرّوا بهذه التجربة، وكذلك تنظيم فعاليات وأنشطة خاصة بهم.

الخوف من التغيير

وقالت أماني الشلهوب -موظفة في القطاع الخاص-: "كثيراً ما يكون الشخص أسير عمله فيعتاد عليه ولا يستطيع أن يفارقه، فمتى ما أنهى مدته وأُحيل للتقاعد يصاب بالأمراض النفسية والجسدية، والغريب في الأمر أنَّ عقله وجسده استخدمهما فتره طويلة في عمله وما زال يحتفظ بهما بعده فهما ملك له، فلماذا لا يستغلهما في أعمال حرة بعيدة عن تسلّط المديرين"؟، مُضيفةً أنَّ الإنسان يحب ما اعتاد عليه ويخاف التغيير.

نمط حياة

وشدَّدت لطيفة اليوسف –موظفة-، على أهمية إيجاد نمط حياة للتقاعد والتخطيط المبكر له، لكي يبدأ بعدها تذوق طعم الراحة والاستجمام، مُشيرةً إلى أنَّه عندما يتقاعد الشخص، فإنَّه يتقاعد من كل شيء، سواءً عمله المرهق أو جمع المال، وحتى تربية أطفاله الذين أصبحوا قادرين بدورهم على أن يجمعوا المال ويكدوا في أعمالهم، موضحةً أنَّه لابُدَّ للزوجين من أن يخططوا للتقاعد سوية، فلا يتقاعد أحدهما والآخر ما يزال يعمل، وبالتالي تصيبه الوحدة والملل. وبيَّنت أنَّه حينما يصل الشخص لهذه المرحلة يبدأ في التخطيط للسفر حول العالم واكتشاف الأماكن والتعرف على النّاس، فكأنَّه يرى هنا أنَّ السفر هو بمثابة مكافأة له على ما بذله من جهد طيلة سنوات مضت من عمره، خصوصاً أنَّ شركات السفر وبعض المواقع الإلكترونية وفَّرت هذا الأمر بأسعار مناسبة.

صرف عشوائي

ولفتت نورة العمري –معلمة-، إلى أنَّ البعض يتضايق حينما يُسأل عن كيف سيقضي تقاعده، وبالتالي فإنَّه قد يقول هنا: "وكيف أسدد ديوني؟، أنا لا أريد أن أتقاعد"، موضحةً أنَّ ديونه هنا قد تكون نتيجة الصرف العشوائي غير المنظم حينما كان يعمل، إلى جانب عدم ادخاره شيئاً من ماله لمثل هذا اليوم، مُبيّنةً أنَّ هناك من يلوم غيره بسبب قلة دخله، بينما المُلام الأول والأخير هو هذا الشخص، إذ إنَّه هو المسؤول عن ثمرة تعبه التي عمل عليها أيام شبابه وصحته.

يحتاج المتقاعد لتجديد الروتين اليومي وتحديث علاقاته الاجتماعية وشغل فراغه بالمفيد والراحة بعد سنوات الكفاح

واقع مرير

وأكَّد عزام -موظف بالقطاع الخاص-، على أنَّ التقاعد –من وجهة نظره- هو بداية المشكلات، مُوضحاً أنَّ والده حينما أُحيل للتقاعد لم يجد شيئاً غير ملاحقة والدته واستفساره عن عدد الملاعق والسكاكين في المطبخ، مضيفاً: "قد يسمع الكثيرون عن قصص المتقاعدين وإطفائهم المصابيح والتنكيد على من حولهم والضحك عليهم، لكنَّ الواقع هو أمرّ من ذلك"، مُشيراً إلى أنَّ الجميع أصبح يحاول أن يتجنب والده ويتجنب أسئلته وملاحقته، مُبيِّناً أنَّه حينما ضاق به الأمر تزوج بامرأة أخرى.

أندية خاصة

وقال أبوعبدالله –متقاعد-: "لا يوجد – للأسف- من يساعد المتقاعدين بعد تغيّر نظامهم الوظيفي، فلو كانت هناك أندية خاصة لهذه الفئة تحتوي على جميع أنواع النشاطات والترفيه التي تتناسب مع ميولهم ومواهبهم لوجدت الكثيرين يميلون إلى التقاعد والابتعاد عن العمل والإرهاق، فنحن نحتاج إلى ملاعب غولف وركوب الدراجات الهوائية، وأندية أدبية وأخرى لمحبيّ السيارات القديمة، وهناك أكثر من فكرة وفكرة للتقاعد، لكن الكثير يفضلون البقاء في دائرة الحزن والاكتئاب".

صدمة التقاعد

وأشارت أم دانة –موظفة-، إلى أنَّ قيمة الشخص فيما يعمل، وتهتز هذه القيمة بعد التقاعد، مُضيفةً أنَّ عمل الموظف سنوات طويلة برتابة وروتين معين قد يُسبب له صدمة في بداية التقاعد، خصوصاً لمن أدمن العمل، كما أنَّ محيط العمل يخلق للشخص فرصا من الاتصال والعلاقات بالمجتمع، والدليل هو أنَّ من لا يجدون وظيفة من الشباب دائماً ما يكونون منطوين على أنفسهم وخبراتهم متواضعة، مُبيِّنةً أنَّ الأمر عادةً ما يدور حول الفائدة والقيمة.

وأضافت أنَّ التقاعد لا يعني انتهاء ذلك كلَّه، وإنَّما هو يُشكِّل تحدياً لذكاء الشخص وتخطيطه المبكر، كما أنَّه يُمثِّل فرصة سانحةً لمزاولة الهوايات المفضلة بحريَّة مطلقة.

وقال عبدالله القحطاني –متقاعد-: "كان قرار إحالتي للتقاعد صادماً لي، فلم أمن أتخيَّل يوماً أنَّهم سيتخلون عنّي بخطاب عاديّ لا يليق بسيرتي في المؤسسة التي كنت أعمل بها، لقد مررت بشهور عصيبة في البداية وتمكَّن منّي الغضب، إلاَّ أنَّني قرَّرت أن أتعايش مع الأمر، فبدأت بفتح مكتب عقاري بعد أن اقترح عليّ أبنائي ذلك، لكنَّ الأمر اتَّخذ منحى آخر، حيث توجهت لممارسة المقاولات وتنفيذ المشروعات، على الرغم من أنَّه تخصص جديد عليّ لم أمارسه طوال حياتي".

وأضاف أنَّه اكتشف مع الأيام أنَّه قادر على العمل في هذا المجال بتفانٍ كبير واحترافية عالية، الأمر الذي خلَّصه من صدمة التقاعد.

محطة حتميّة

وبيَّنت "العنود الداوود" -طالبة جامعية-، أنَّ أحد أقاربها أُصيب بجلطتين بعد تقاعده، مُضيفةً أنَّ السبَّب ربَّما كان يعود إلى مرحلة الاكتئاب التي مرَّ بها ولم يستطع الخروج منها، موضحةً أنَّه قد لا يُلام في ذلك، إذ إنَّه كان يعمل منذ أن كان شاباً، لكنَّ التقاعد كان محطة حتميّة لابُدَّ أن يمرَّ بها، مُشيرةً إلى أنَّه –للأسف- لم يكن يتنقَّل أو يُغيِّر عمله، حيث استمر بالعمل في القطاع الحكومي مدةً تزيد عن (40) عاماً، لافتةً إلى أنَّه تمَّ التعاقد معه حتى وصل إلى مرحلة صعبة.

وأضافت أنَّه لم يكن في هذه المرحلة يستطيع المشي أو الحركة بشكل طبيعي، فاستغنوا عنه بطريقة غير جيدة، الأمر الذي انعكس سلباً عليه، لافتةً إلى أنَّ عدم فهمهم لنفسيّته في هذه المرحلة وتعلّقه بعمل اعتاد عليه أدخله في أزمة صحية نتج عنها إصابته بجلطتين متواليتين جعلته طريح الفراش إلى أن توفاه الله.

دراسات اجتماعية

ولفتت قماشة المزيد –معلمة- إلى وجود العديد من الدراسات الاجتماعية المتعلقة بالإنسان منذ الولادة إلى أرذل العمر، بيد أنَّه لا يوجد –للأسف- دراسات مستفيضة حول الحيثيات والتغيّرات السيكولوجية للشيخوخة، مُضيفةً أنَّه لا يوجد أساليب نظرية أو علمية لفهم طبيعة وخصائص هذه المرحلة العمرية، مُشدَّدة على أهمية أن يتحول توجّه الدراسات التي تشبّعنا منها عن مرحلتيّ الطفولة والمراهقة إلى مرحلة الشيخوخة ومظاهر التقدّم بالسن والآثار النفسية المصاحبة لها.

وأكَّدت على أنَّنا سنجد أنفسنا في هذه الحالة قد وصلنا إلى ما وصلت إليه دول العالم المتقدم من احترام لهذه الفئة وتسهيل حياتها، حيث الكثير من الخدمات هناك تقدم لهم بالمجان، تكريماً لهم وتقديراً نتيجة ما صنعوه وقدّموه للمجتمع.

وأيَّدتها الرأي فاطمة الرشيد –موظفة-، مُضيفةً: "حينما يأتي الحديث عن المتقاعدين وكيفية شغل وقت فراغهم يخرج أحد الشباب ويُشير إلى أنَّهم لابُدَّ أن يتفرغوا للعبادة ويتركوا أمور الدنيا"، مُتسائلةً: "لماذا يصور المجتمع أنَّ التقاعد هو نهاية الحياة، وما بعدها هو الاستعداد للمرض والهرم؟"، مُشيرةً إلى أنَّه كثيراً ما نجد بعض المتقاعدين يصابون بأمراض مزمنة وأزمات قلبية وجلطات بسبب عدم الحركة والركون للراحة والكسل. وأضافت أنَّ هذا المتقاعد حينما يُقرِّر التغيير باشتراكه في أحد الأندية الصحية أو السفر والاستجمام يُعاير بالتشبّب ومحاولة رجوعه بالزمن إلى الوراء، لافتةً إلى أنَّ حياة ما بعد التقاعد هي مكافأة للمتقاعد، وبالتالي فإنَّ من حقه الاستمتاع بها مهما بلغ عمره، فقد عمل الكثير ليبني بيتاً ويُربيّ أطفالاً أصبحوا رجالاً فيما بعد، مُشدِّدةً على ضرورة مساعدتهم في توفير أماكن وأنشطة ليستمتعوا بها.

دراسة ميدانية

أجرى كل من الدكتور علي السلطان، وإبراهيم بن عمر من معهد اإدارة العامة بالرياض، دراسةً وبحثا ميدانيا بعنوان "المتقاعدون في .. دراسة أوضاعهم وإدارة خدماتهم والاستفادة من خبراتهم"، وركَّزت الدراسة في نوع المساكن التي يسكنها السعوديون بعد التقاعد، ووجد أنَّ (27%) من المتقاعدين في البلاد يعيشون في فلل، و(43%) يعيشون في بيوت شعبية، و(15%) يعيشون في شقق، كما اتَّضح أيضاً أنَّ (68%) من المتقاعدين تقلّ مساحة أراضي مساكنهم عن (500م2) و(26%) منهم تراوح مساحات أراضيهم وسكنهم بين (500م2) وأقل من (1000م)، وأنَّ (2.6%) فقط من المتقاعدين تزيد مساحات أراضي مساكنهم على (2000م2).

وأشارت الدراسة إلى أنَّ (58%) من المتقاعدين يملكون مساكنهم، وأنَّ (40%) مساكنهم مستأجرة، الأمر الذي يثير عددا من الأسئلة حول ما إذا كان السبب هو سوء التخطيط للتقاعد أو ضعف الرواتب المستحقة أو ارتفاع سعر العقار الذي لا يتناسب مع دخل الفرد.

وبيَّنت الدراسة أنَّ (69%) من المتقاعدين لا يوجد لديهم أيّ نوع من العمالة المنزلية، على الرغم من الحاجة الماسة إليها، نظراً إلى عمر المتقاعد، وأنَّ (20%) منهم لديهم عامل أو عاملة، وأنَّ (1%) فقط منهم يتوفر لديهم أكثر من ستة أفراد من العمالة المنزلية، وأنَّ (70%) من المتقاعدين تقريباً يتوفر لديهم سيارة واحدة، وأنَّ (15%) منهم لديهم سيارتان، وأن (1%) منهم لديهم خمس سيارات فأكثر.

تحقيق الأحلام

التخطيط لأنشطة مختلفة، فالفراغ هو بداية الاكتئاب، خطط ليومك منذ بداية استيقاظك حتى المساء وجدوله أسبوعياً واملأه بمختلف الأنشطة، كزيارة الأصدقاء والخروج في رحلات جماعية وغيرها.

إعداد قائمة بالأشياء التي تحب وتتمنى أن تؤديها، فالتقاعد هو مرحلة تحقيق الأحلام والطموحات، فكن منفتحاً على التغيّرات الجديدة ولا تنغلق.

ممارسة التمرينات البدنية والهوايات الفردية والجماعية، استمتع بوقتك.. ففي الحركة بركة، ووصولك لسن التقاعد يعني الحرص على صحتك أولاً، كما أنَّ ممارسة الرياضة تُحسِّن المزاج وتبث الحيوية في النفس، فاحرص على مشاركتها مع أصدقائك. تحدث عمَّا يُضايقك ولا تكتم في نفسك، فهي بالفعل مرحلة جديدة عليك ونمط حياة مختلف، ولا نعني بذلك أنَّك تُكثر الشكوى لمن حولك.. تحدَّث عن مخاوفك وكيف تستثمر وقتك، فستجد الكثيرين سيهبّون لمساعدتك. خصص وقتاً للعائلة واجتمع بأبنائك يوماً وبأحفادك يوم آخر فتكون بذلك قد جدولت موعدين لتستمع بهم، تحدث معهم عن كل شيء أو مارس نشاطاً مميزاً، كالخروج للعشاء في أحد المطاعم أو الذهاب في رحلات برية. اعلم أنَّ شبح فقدان الأصدقاء غير حقيقي، إلاَّ في حال معاملتك السيئة لهم، فالتقاعد هو الوقت الحقيقي للعودة بالذكريات ومقابلة الأصدقاء الذين انقطعت أخبارهم، الذين هم أيضاً في مثل سنك. كونك متقاعدا يعني أنَّك ثروة وخبرة لا يستهان بها، دائما ما تبحث الشركات عن استشارات بالتعاقد، خصوصاً لمن هم في عمرك، وذلك بسبب خبرتك لسنوات طويلة في المجال.