أخبار عاجلة

ذكريات على ورق سوليفان

ذكريات على ورق سوليفان ذكريات على ورق سوليفان

أسعدني خبر تكريم الفنانة نادية لطفي في مهرجان القاهيرة السينمائي الشهر المقبل، فهي فنانة مثقفة صاحبة مواقف إنسانية ووطنية رائعة.

كان لقاؤنا الأول في مسكنها «الرديف» بحي العجوزة منتصف الثمانينات، عرضت عليها مجموعة نادرة من صورها في مواقف ومراحل مختلفة

قالت معظمها مش عندي، جبتها منين؟

(كان صديقي الشاعر أحمد الشهاوي قد أهداني إياها بعد أن استخدم بعضها في كتاب له عن مشاهير الصعيد)

طالت الدردشة حول الصور فقالت ضاحكة: انت ضيعت وقت الحوار.

أوضحت لها انني لم آت بحثا عن حوار.

سألت مندهشة: عن ماذا تبحث؟.

قلت: عنك.. من تكونين؟

هربت من الإجابة، بالتفاتة لا إرادية ناحية البلكونة، ثم سألتني: هل ضايقك أمن الوزير على مدخل العمارة؟ (تقصد وزير الداخلية الأسبق حسن أبوباشا الذي كان يسكن في نفس العمارة)

أعدت السؤال: أريد أن أعرف من أنت؟، هل أنت «بومبي» طفلة المحاسب الصعيدي محمد شفيق؟، أم «بولا» حسب المدون في شهادة الميلاد الرسمية؟، أم «نادية لطفي» الهاربة من رواية «لا أنام» لإحسان عبدالقدوس ؟

لن ترد أيضا، وقالت كأنها لم تسمعني: أمامك نصف ساعة فقط، لأني انتظر ضيفا، وأكدت لها مجددا أنني لا أريد حوارا للنشر، أريد أن أعرض عليها الصور تباعا، وأترك لها المجال لتتداعى ذكرياتها بحرية حول الصورة.

وافقت وبدأنا، وبعد ساعة كاملة رن جرس الباب، وقالت وهي تبتسم: خليك قاعد. هنكمل

دخل وزير الهجرة ورعاية المصريين في الخارج حينذاك وليم نجيب سيفين، قدمتني إليه، وشرحت له بحماس قصة «اللعبة التي نلعبها» حسب وصفها، وامتد الوقت أكثر من 5 ساعات، وتوالت المواعيد بعد ذلك لاستكمال اللعبة.

بعد 3 سنوات تقريبا انتقلت إلى مسكنها المفضل في شارع النباتات بجاردن سيتي، وعندما ذهبت إليها هناك، فوجئت بأنها تضع التليفزيون مقلوبا بحيث يبدو ظهره لها، أما الشاشة ففي مواجهة الحائط، لم تنتظر لأسأل، وقالت بنبرة احتجاج: قرفت من المناظر اللي بشوفها في الأخبار، ومش قادرة أعيش «حمارة» من غير ما اعرف ما يحدث.. ثم انفجرت ضاحكة وهي تقول: مش قصدي أجرح الحمير، لأني فعلا حمارة، بل ورئيسة جمعية الحمير بعد توفيق بيه (تقصد الكاتب الكبير توفيق الحكيم مؤسس الجمعية الطريفة).

كانت أخبار الانتفاضة الفلسطينية الأولى تسيطر على الشاسات بكل ما يرافقها من قمع وتكسير عظام تقوم به قوات الاحتلال.

كنا قد تحدثنا من قبل عن صورها على الجبهة لرفع معنويات الجنود في فترة حرب الاستنزاف وحملاتها لرعاية جرحى حرب أكتوبر، وكذلك زيارتها لبيروت أثناء الحصار الإسرائيلي في عام 1982، وحينذاك رفضت بشدة اللقب الذي روجته عنها الصحف بأنها «جين فوندا العرب»، واعتبرته نوعا من الجهل والتسطيح، وهاجمت فوندا ووصفتها بأنها «مزدوجة المعايير»، أخذت موقفا إنسانيا يحسب لها ضد حرب فيتنام، ثم انكشفت حقيقتها بانحيازها الفاضح لإسرائيل وبشاعتها العدوانية، وعندما طالت المناقشة قالت بطريقتها الغاضبة في إنهاء الخلافات: إذا كان ولابد غن الصحافة تشبهنا بحد من بره، يبقى الأفضل يشبهوني بفانيسا ريدجريف مش جين فوندا.

كنت أتأمل المسكن الذي يبدو مختلفا تماما عن مسكن العجوزة، فاللمسات الفنية أكثر وضوحا، ولوحات يوسف فرنسيس تحتل مكانا بارزا، ولما لا حظت اهتمامي بالمكان تحدثت كثيرا عن علاقتها الحميمية به، وتعلقها بكل لوحة وقطعة ديكور فيه، وأكدت أنه من أحب الأماكن إلى قلبها.

سألتها: هذا عن المكان، فماذا عن الزمان.. هل تحبين زمنا بعينه؟

قالت: مش فاهمة قصدك

قلت: يعتبرونك أيقونة الستينات في السينما، مع أنك لمعت أكثر في السبعينات فينا وسياسيا أيضا، فأي مرحلة في حياتك تعجبك أكثر؟

قالت: حياتي كلها مثل هذه اللوحة، لا استطيع أن أفصل ألوانها، أو أفاضل بينها، حتى الأسود له دوره في لوحة حياتي، طفولتي لها طعم، ومراهقتي لها طعم، وبداياتي الفنية لها طعم، ونجاحي ونجوميتي لها طعم، وحتى إخفاقاتي لا تضايقني.

شعرت إن هذه الإجابة هي أهم نتيجة لرحلة بحثي عن بولا، التي حاول تجار الضور أن يستثمروا جمالها الأوروبي باعتبارها مجرد تمصير للنجمة الشقراء انجريد برجمان، فإذا بها تهمش جمالها التي بدات به في فيلم سلطان وتقدم دور مهندس رجل في فيلم «للرجال فقط» مع سعاد حسني، لتثبت أنها ليست «حالة مظهرية»، بل «حالة ثورية» حسب وصف رولان بارت لايقونة الستينات في العالم بريجيت باردو، وعندما قدمت دور «زنوبة العالمة» في ثلاثية نجيب محفوظ وحسن الإمام، لم يستطع المنتجون حصارها في هذا النمط، بل أن أدوارها الانثوية اختلفت في مذاقها ورسالتها من «على ورق سوليفان» إلى «بديعة مصابني» والاخوة الأعداء و«أبي فوق الشجرة» مرورا بتمزق الأرستقراطية التائهة ماجي في «النظارة السوداء» وقدر ريري فتاة الليل البائسة في «السمان والخريف»، وهي أدوار تختلف عن المرأة الشعبية في «الأقمر» أول افلام هشام أبوالنصر، كما تحتلف عن ادوار الفيديت في «الخطايا»، و«لاتطفئ الشمس»، و«مذكرات تلميذة»، وربما «الفارسة لويزا» في «الناصر صلاح الدين».

كانت بولا تتحرك تحت عنوان من كلمة واحدة هو «الحرية»، سواء كانت تقدم أدوارها تحت مظلة الجسد المقدس الذي تميزت فيه فاتن حمامة وبطلات الرومانسية الناعمة، أو تفامر بأدوار «الجسد المدنس» الذي تميزت فيه هند رستم، وهي الأدوار التي تجسد الأحلام السرية للرجال منذ بدء الخليقة، ولا أدري هل جاء الخلط بين ناديا وهند تحت تأثير سطوة هذه الأدوار على الخيال الذكوري العربي، بحيث بخفت دور المرأة الاجتماعي والسياسي أمام التضاريس الساطعة للجسد الانثوي ؟. هل ثمة تبرير موضوعي لنسيان ناديا لطفي بكل حضورها الطاغي على الشاشة كما على جبهات القتال والعمل الاجتماعي، أو الخلط بينها وبين غيرها؟

أتذكر أن بولا قالت لي مرة إنها عانت من الفن كثيرا في البداية، وكانت تشعر انها مجرد دمية، لكنها كانت ترضخ قليلا بوعي محسوب، لأنها كانت اسعى غلى تخقيق توازن يخصها، كانت تستخدم الضوء لإصلاح حياتها، وهي تعرف أن التمثيل «غول» قد يلتهمها في لحظة ويقضي عليها إذا استسلمت له، وحكت لي في ذلك اليوم قصة قبولها لدور صامت أقرب إلى الكومبارس لايليق بنجمة ذائعة الصيت بحسب كل المقاييس السائدة، لكنها تطوعت للقيام بالدور من دون أجر لمساعدة صديقها الفنان شادي عبدالسلام في إخراج تحفته الخالدة «المومياء»، هكذا كانت «بولا» تدعي التمثيل، لتعيش أكثر من حياة، تحت قناع امرأة من خيال روائي اسمها «نادية لطفي».

tamahi@hotmail.com

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة