حين قال نتنياهو إنّ حُكْم «مرسى» مذكورٌ فى التوراة!

( 1 )

كان التصور السياسى الذى ساد المعارضة المصرية عقب اتفاقية السلام أن السلطة السياسية هى التى تحوُل دون هزيمة إسرائيل.. وأن تخاذُل القيادة السياسية هو الحامى لبقاء الدولة العبرية، وأنه إذا ما تمت الإطاحة بتلك السلطة المنبطحة فإن الوصول إلى تل أبيب لن يحتاج إلى وقت أو جهد.. فقط تحتاج المعارضة من النظم الحاكمة أن تفسح الطريق.

ولقد جاء حكم الرئيس الأسبق «محمد مرسى» صادماً لتلك الرؤية ولاغياً لها.. وأصبح واضحاً أن موازين القوة على الأرض غير موازين القوْل على الشاشة.. وأن هزيمة إسرائيل إنما تكون بقواعد النمُوّ لا قواعد النحْو!

( 2 )

بدأ الرئيس الأسبق «مرسى» حكمه بإعلان قبوله كامب ديفيد واتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية.. واستمرار التمثيل الدبلوماسى ومستوى التعاون فى زمن مبارك دون تغيير.

ورغم حالة النشوى لدى بعض أفراد الحركات الدينية عقب اقتحام متظاهرين مبنى السفارة الإسرائيلية فى القاهرة فى سبتمبر 2011 إبّان الحكم الانتقالى.. ورغم إهمال الرئيس الأسبق «مرسى» لذكر كلمة «إسرائيل» فى خطبه وأحاديثه وتصريحاته.. شهوراً طويلة.. إلا أن إسرائيل عادت وأسست سفارة جديدة فى القاهرة، كما عاد «مرسى» وذكر اسم «إسرائيل» فى حواراته الإعلامية.

وعلى أثر ذلك، ارتبك الرأى العام تجاه موقف الرئيس الأسبق من إسرائيل ورؤية الإخوان للصراع العربى– الإسرائيلى فى «محنة السلطة» بعد «محنة المعارضة».

وداخل مساحة الارتباك الواسعة، سادت رؤيتان متناقضتان.. تدور الأولى حول الغضب الإسرائيلى على وصول الإخوان للسلطة فى القاهرة.. وتدور الثانية حول الرضا الإسرائيلى على حلول الإخوان محل مبارك.

( 3 )

بدأ أول اتصال رسمى بين وإسرائيل فى عهد الرئيس الأسبق «محمد مرسى» فى نهاية شهر يونيو عام 2012، حيث ذكرت وكالة الأنباء الفرنسية أن «نتنياهو» بعث برسالة إلى «مرسى» يهنئه فيها بالفوز فى الانتخابات الرئاسية المصرية.. وطلب منه دعم معاهدة السلام المبرمة عام 1979، واقترح دعم التعاون بين البلدين فى مختلف المجالات.

وقالت صحيفة «هاآرتس»: إن «نتنياهو» كان يخطط لإجراء اتصال تليفونى مع الرئيس الأسبق «مرسى» غير أن واشنطن طلبت منه أن يبعث برسالة، لا أن يجرى اتصالاً. وقد صارت الأمور منذ تلك الرسالة فى طريقيْن.. بدَا أحدهما يحمل فتوراً واحتمالات صدام.. وبدَا الآخر يحمل قبولاً واحتمالات وفاق.

( 4 )

فى الطريق الأول، ظهرت رسائل غاضبة عديدة.. فقد نقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية عن وكالة «بلومبرج» الأمريكية قول «هنرى كيسنجر»: «إن إخوان مصر ليسوا على استعداد للتعايش السلمى الحقيقى مع إسرائيل.. وإننى غير متفائل بالسلام بين الفلسطينيين وإسرائيل.. لأن الإخوان فى مصر ضد التسوية السلمية». ونقل التليفزيون الإسرائيلى عن الملياردير اليهودى الأمريكى «شيلدون أرسون»، المقرب من «نتنياهو»، تمويله لحملة دعائية ضد حكم الرئيس الأسبق «مرسى» لموقفه من حرب غزة.

ورأت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن «مرسى سرق الثورة.. وأنه يريد استغلال نجاحه فى عقد الهدنة ليحصل على مزايا واسعة لنفسه.. وجنْى مكاسب شخصية».. وهو رأى قريب من رأى مسؤول وزارة الدفاع «عاموس جلعاد» الذى قال: «إن نظاماً استبدادياً مروعاً نَبَتَ من رَحِم الرغبة بالديمقراطية فى مصر».

( 5 )

وفى الطريق الثانى ظهرت رسائل عديدة للتفاهم والتوافق.. فقد كتب «تسفى برئيل» فى «هاآرتس» بعنوان «لماذا اندهش بيريز؟».. ناقلاً قول «بيريز» لتونى بلير إنه لم يكن يتوقع أن يقوم الرئيس الأسبق «مرسى» بخفض التوتر إلى هذا الحد، وأن يخاطبه فى رسالة رسمية بقوله: «صديقى وعزيزى»، وأن يختتم الرسالة بقوله: «صديقك المخلص».

ثم واصل «برئيل» القول: «إن مرسى يكون صديقاً إذا كان يضبط حماس.. وسواء أجعل مصر دولة شريعة أم لا.. أو قدّم القيم الليبرالية للأمام واهتم باقتصاد الدولة أم لا.. كل ذلك لم يعد يهمنّا».. «إن امتحان مصر الأول هو ترويض حماس.. وأمريكا مستعدة لتشجيع ذلك بشيك مقداره (4.5) مليار دولار من خزانة صندوق النقد الدولى».

لقد عاد «بيريز» إلى خطاب الرئيس الأسبق «مرسى» مرة أخرى فى حديث إلى صحيفة «نيويورك تايمز»، حيث قال: «لم أتفاجأ بإنكار الرئيس مرسى إرسال خطاب لى بعد وصوله للسلطة، بل تفاجأت بقيامه بإرسال الخطاب أصلاً».. «من السهل أن تلعب دور المسلم الملتزم عندما لا تكون فى موضع السلطة، لكن الأمور تتعقد عندما تصل إلى السلطة». وواصلت صحيفة «جارديان» الطريق بقولها: «إن مرسى يختلف عن مبارك.. والمديح الكبير لدور مرسى من جانب أمريكا وإسرائيل يعبر عن أهم التغيرات الكبرى التى أحدثها الربيع العربى».

وقالت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة «هيلارى كلينتون»: «إن مصر فى عهد الرئيس مرسى لا تزال تحمل دوراً ريادياً فى المنطقة». وزاد «بان كى مون»: «إن مرسى هو الشخصية الوحيدة فى المنطقة التى يمكنها أن تساهم فى الوصول إلى تسوية.. ونحن ندعمه».

وقد دخلت فى السباق محطة «سى بى إس نيوز» الأمريكية، التى ذكرت أن «مرسى»، الذى يرفض الحديث مع الإسرائيليين أو نُطْق اسم دولتهم، توسط بينهم وبين حماس لوقف إطلاق النار، ليتحول إلى «حامى إسرائيل الواقعى».. ونشرت «هاآرتس» أن «بيريز ونتنياهو وباراك وليبرمان شكروا مرسى بامتنان». أما محرر الشؤون العربية فى الصحيفة ذاتها «تسفى برئيل» فقد زعم أن «الرئيس مرسى وافق على تركيب أجهزة تنصت ومتابعة إلكترونية على طول الحدود المصرية الإسرائيلية، وهو الطلب الذى رفضه دوماً مبارك، معتبراً أنه يتناقض مع السيادة المصرية».. وهو الزعم الذى نقلته «الأهرام» عن «هاآرتس».

لقد أجمَلَ «توماس فريدمان» ذلك الاتجاه بقوله: «إن حُكم مرسى ليس نهاية للسلام، بل قد يكون بداية سلام حقيقى بدلاً من السلام البارد مع إسرائيل».

( 6 )

والواقع أن الحملتيْن كانتا مقصودتيْن.. حملة «الترهيب» وحملة «الترغيب». وقد قصَدَتْ إسرائيل وحلفاؤها أن يتجه جناحٌ للهجوم والتخويف وأن يتجه الجناح الآخر للإطراء والمديح. وقد جاءت الحملتان تحملان درجة واضحة من الادعاء والمبالغة.. سواء فى وصف نظام الرئيس الأسبق «مرسى» بأنه «أكبر تهديد استراتيجى لإسرائيل» أو فى وصفه بأنه «حامى إسرائيل الواقعى».

( 7 )

كان من الطبيعى أن تكون الرؤية فى إسرائيل على هذا النحو من المراوحة والارتباك.. فى بعض الأحيان يتحدث مسؤولون إسرائيليون عن حكم الإخوان فى مصر بعبارات ومفردات غير واضحة.. ومن الصعب أن يدرك المرء ما إذا كانت الكلمات تحمل رفضاً أم قبولاً.

ومن بين فيضٍ من اللغْو تطفو تصريحات لبنيامين نتنياهو، أخذت شكل التفسير الدينى بشأن وجود الرئيس الأسبق «مرسى» فى التوراة.. حيث قال «نتنياهو» - الذى يعقد فى منزله حلقات دراسية حول التوراة -: «إن حكم الرئيس مرسى قد تم ذكره فى كتابنا المقدس فى فصل تفسير الأسماء.. حيث كُتب: «وقام ملكُ جديد فى مصر».. وفسّر «نتنياهو» ذلك النص الدينى بقوله: «إن الملك الجديد المقصود هو الرئيس مرسى الذى ينتمى للإخوان المسلمين.. إن كلمة جديد يُقصد بها تغيير نظام الحكم فى مصر، وهذا ما حدث بالفعل»!

وربما يحتاج تفسير «نتنياهو» إلى موسوعة تفسير للتفسير.. والمشهد بكامله ينتمى لمسرح العبث.. فنتنياهو الذى لا يؤمن بالتوراة يعقد فى منزله حلقات دراسية فى تفسير التوراة، وبدلاً من أن يكون مستمعاً.. قرر أن يكون مفسراً.. وقد دخل عالم التفسير بمثل ما دخل عالم السياسة.. اللا عقل!

حفظ الله الجيش.. حفظ الله مصر

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة