أخبار عاجلة

آخر تعليق للشيطان قبل شهر رمضان

أين الفوانيس؟

أين الزينة، وأضواء الشوارع؟

أين فرحة الأطفال، ولهفة الكبار؟

أين رمضان؟

التاريخ الهجري يؤكد أن الشهر الكريم يطرق الأبواب (كل عام ونحن جميعا بخير ومحبة وأمان)، لكن روح الشهر وطقوسه لم تأت معه,

لماذا؟.

سألت كثيرين، فقال بعضهم: مفيش نفس!، وقال آخرون: بنحاول، وقال غيرهم: منين؟، وقال جاري العملي متجهما: لزومها إيه الهيصة والنفقات، هي البلد ناقصة؟، هوه فيه كهربا ولا نظافة ولا أمن؟.. انت ماسمعتش عن القنابل اللي انفجرت في مترو الأنفاق؟.. إيه اللي عاجبك في العيشة عشان نفرح.. أهو شهر وخلاص، خلينا بقى في شد الحزام، عشان نوفر المصاريف للحكومة.. تحيا .

قلت له ضاحكا: افردها يا عم، بإذن الله مصر تحيا، واحنا نحيا فيها، واللا هي تحيا واحنا نموت؟

قال بابتسامة مرتبكة: نموت نموت وتحيا مصر.

قلت له مواصلا جو الدعابة: مصر هتتقدم بينا.. يبقى لازم نعيش الأول عشان نعرف نخدمها.

عاد للتكشيرة وقال وهو يطيح بيده في الهواء: وهي دي عيشة؟

قلت مازحا: أمال إيه؟

قال: أيام وخلاص، تعدي زي ما تعدي.

ربت على كتفه، وقلت فيما يشبه الاعتراف بفشل محاولتي لجرجرته إلى البهجة: كل سنة وانت طيب، بكره هتتعدل وتفرج.

لكنني شعرت في أعماقي بمرارة ما يقول، وتذكرت أنني تساءلت مثله منذ سنوات: هل هذه الأيام التي نعيشها: حياة، أم مهلة لانتظار الموت؟.. هل الشوارع التي نمشي فيها شوارع؟.. أم أنها «حاجة كده»؟، والماء والطعام، المعارضة والحكومة، المدارس والأحزاب، الصحف والسينما، المستشفيات والمصانع، الإنترنت وفاتورة النظافة، وكل شيء في مجتمعنا السعيد هل هو حقيقي؟.. أم أنه «حاجة كده».

تأملت كلمة «كده»، واكتشفت بسهولة أنها تعني «كـ هذا»، يعني هي ليست «هذا نفسه»، بل حاجة تشبهه «كـ»!

تذكرت أستاذنا كامل زهيري، الله يرحمه، عندما اقترح في نهاية الثمانينيات أن نضع حرف «كاف» قبل أي شىء في حياتنا، حتى نكون أكثر صدقا مع أنفسنا «كـ مثقفين»، وقال بطريقته الساخرة: هكذا نقدر نعيشها «كـ حياة».

كنت أنا وصديقي الراحل الدكتور عزازي علي (رحمة الله عليه) في سهرة خاصة بمنزل زهيري على نيل ، وقضينا الأمسية نتندر على هذه الكاف، وصارت «سيم» بيني وبين عزازي لسنوات طويلة، ثم تعاملت بعد ذلك مع اقتراح عمنا زهيري «كـ نظرية»، وبما أن أي نظرية لها «كوجيتو» فقد قلت: «كأنني مواطن»، «كأنه وطن»، «كأنها حكومة»، و«كأننا نعيش»!، وكتبت مقالا بهذا العنوان، أصر الصديق إبراهيم عيسى وهو يضحك، على أن يأخذ هذا العنوان الغريب «كـ مانشيت» رئيسي لجريدة الدستور.

اللطيف أنني اكتشفت أن الناس لم تكن تنتظر مقالي ولا نظرية عمنا زهيري، وأنهم كانوا أسبق منا في «فقس» الخدعة، ولجأوا إلى ميكانيزمات الاحتيال وسياسة التواطؤ الجماعي «كـ حل» ذاتي لمشاكلهم في مواجهة التجاهل الرسمي.. تبني سورا في الصباح يعزل مساكن المواطنين العشوائية عن الشارع الرئيسي «فيخرمه» الناس في المساء «كـ ممر» ويعبرون إلى بيوتهم من أقصر الطرق، وتسمعهم يأمرون سائق الميكروباص في ثقة بالوقوف عند «الفتحة» التي تحولت إلى معلم بارز يؤكد تحدي «التخطيط الشعبي» «للتخبيط الرسمي»، ولا يستطيع أحد حتى الآن أن يفسر لنا هذا السلوك الفطري المنظم في التشريع والتنفيذ والذي يبدأ من كسر أسوار حديدية وحجرية حتى في ميدان التحرير نفسه تحت سمع وبصر عسكر لا ينامون وينتهي بتأسيس سياسات اقتصادية تيسر المعيشة وتتجاهل مؤسسات الدولة وقوانينها.

الحكومة تدفع لموظفيها ما لا يسمن ولا يغني من جوع، والناس تعولهم برواتب منتظمة وإكراميات تعيد تصحيح الوضع! (تأمل العلاقة بين سائقي الميكروباص، وعساكر المرور كـ مثال).

الحكومة تمهد الطرق أمام الرأسمالية المتوحشة التي تصب في جيوب كبار رجال الأعمال والمحتكرين، فيرد الناس بنوع من الاشتراكية التكافلية التي تثبت أن المصري واسع الحيلة (انظر مثلا توصيلات الدش والإنترنت، ووسائل كسر الشفرة للفرجة على مباريات كأس العالم)، الحكومة تغلق المصانع فيقيمها الناس في «بير السلم».. الحكومة تبيع القطاع العام وترفع الأسعار وتنحني أمام الدولار، فيخترع الناس الأتوبيس، و«الفرشة» على أي رصيف، و«كله بجنيه يا أفندية».

لكن هذا كله لا يعني أن الناس عثرت على الحلول الصحيحة لمشاكلها، إنها فقط تتعايش مع المشاكل بطريقة «نقضيها»، وهي طريقة تنفق الوقت ولا تستثمره، تكرس التخلف ولا تصنع نهضة ولا تبشر بخير، والمصيبة أن علاج هذه المشكلة لا يبدأ أبدا من فوق، لأن الحكومة تقدر تعمل مترو الأنفاق لكنه لا يحل أزمة المواصلات، وتقدر تعمل حديقة رائعة في صلاح سالم ومدينة للإنتاج الإعلامي ويمكن هرم كمان، لكنها تظل عاجزة عن «لم الزبالة» فتستعين بخبرات أجنبية، ناهيك عن عجزها الكلي عن حل مشكلة رغيف العيش، وبناء رصيف يمشي عليه ابن آدم في أمان.

وأنا "كـ"مواطن لا أطلب لبن العصفور من الحكومة، ولا تهمني شعارات التكيف الهيكلي والكونية والسوق الحرة والطريق الدائري و«إن عاش الاقتصاد»، واتبرع بنصف مرتبك (حتى شوف أنا بتبرع أهو، والبدوي اتبرع، والعربي اتبرع، والخاين والأمين، والنحيف والبدين، والست الفقيرة اللي دفعت جنيه).

كل هذا عظيم، «كـ ميزانية» لشراء حاجات رمضان، لكنه لا يقيم اقتصاد دولة، لأننا حتى الآن، لا نعرف آلية مؤسسية واضحة لهذه التبرعات، ولا مسارها، ولا دورها في التنمية، لكن دعونا من السياسة والمعارضة، رمضان جانا، وعايزين نفرح، فلا داعي لأي أخطار تفسد «دخلة» الشهر الفضيل، يمكننا أن نعتبر هذه التبرعات «كـ نفحة» أو «كـ نقطة»، أو كـ«هدية» في عيد ميلاد 30 يونيو، أو «كـ بادرة لحسن النوايا» أو «كـ تأميم بالتراضي»، أو «كـ صدقة لشعب مسكين»، أو... أو...

يمكن أن نعتبرها أي كاف والسلام، لكن هذه «الكاف» هل تكفي لتحقيق أحلامنا المشروعة في رغيف عيش نضيف، وشارع آمن، وشوية عدل، وحفاظ على الكرامة؟.

عندما تتحقق هذه المطالب البسيطة، سأعترف بفضل «مكرمة» سيد البدوي ومحمد الأمين، وطابور أثرياء الأوبرج الذين ينتظرون خسارة أموالهم بسعادة على ترابيزة الملك، ليقهقه ضاحكا وهو يردد الجملة التي يتلهفون لسماعها: «تخسر يا باشا»، وهي تعني أن الثري خسر بعض الأموال ليكسب لقب الباشوية، فكلام الملوك لا يرد، وطالما قال يا بدوي باشا.. يبقى باشا، وهذا هو المراد من مزاد البلاد.

وعندئذ سكت الشيطان الحقود، واستعد لشهر القيود، وكل رمضان وأنتم بخير.

tamahi@hotmail.com