أخبار عاجلة

صدام حسين.. "البطل" و"الديكتاتور" الذي غرق العراق من بعده

صدام حسين.. "البطل" و"الديكتاتور" الذي غرق العراق من بعده صدام حسين.. "البطل" و"الديكتاتور" الذي غرق العراق من بعده
الرئيس العراقي الراحل وصل للحكم عبر "انقلاب أبيض".. واهتم بالتعليم وأحكم القبضة الأمنية على البلاد

كتب : محمد رمضان الإثنين 30-12-2013 01:11

مع هدم تمثال الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في ساحة الفردوس ببغداد وسقوط حزب البعث في العراق ومحاكمة رموزه وإعدام صدام حسين في مثل هذا اليوم 30 ديسمبر 2006، وإعدام عدد من أعوانه ورموز نظامه، ظنت قوات الاحتلال الأمريكي، التي اجتاحت العراق في عام 2003، أنها بتلك الخطوات ستمحو هذا الرجل من ذاكرة محبيه وكارهيه على حد سواء، فصدام حسين الذي حكم بلاد الرافدين 24 عامًا (1979-2003)، لا ينسى له التاريخ إنجازاته أو سقطاته وما قدمه للعراق ولشعب العراق من أمن واستقرار ورخاء اقتصادي وكرامة وعزة، وكذلك ما سببه للعراق والعراقيين من قمع ودموية وحصار وحروب انتهت بالاحتلال الذي أدى إلى تدهور الأوضاع في العراق لا سيما الوضع الأمني الذي تفاقم بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة، خاصة مع تزايد الهجمات الانتحارية والعصبية الطائفية بين السُنة والشيعة والأكراد، والتي يرى محللون أنها نتيجة طبيعية لسياسة نظام صدام "السُني" الذي تعمد إقصاء الشيعة والأكراد عن الحكم بسبب النزاع مع إيران "الشيعية" التي كانت تدعم المتمردين الأكراد المطالبين بالانفصال عن العراق.

اشترك في محاولة اغتيال عبدالكريم قاسم وهرب إلى سوريا ثم

في يوم 28 أبريل 1937، وتحديدًا في قرية العوجة بالقرب من مدينة تكريت شمال غرب بغداد، لم تكن السيدة "صبحة طلفاح" تعلم أنها ستنجب ابنًا يدعى "صدام" ويذكره التاريخ، وتشاء الأقدار أن يموت حسين عبدالمجيد قبل أن يرى ابنه صدام، فتزوجت أم صدام من رجل يدعى إبراهيم الحسن والد إخوة صدام غير الأشقاء برزان ووطبان وسبعاوي، وكان إبراهيم الحسن يعامل صدام بعنف وقسوة ويضربه، وكانت أمه تدافع عنه، فيخبرها زوجها بأنه يريد أن يصنع من صدام رجلاً، ورعى صدام الغنم في صغره وتعلم السباحة والرماية وركوب الخيل أيضًا، وتطلع صدام، الذي كان يمتلك بنية قوية تؤهله لخوض الحرب، للانضمام لأكاديمية بغداد العسكرية، لكن لم يكن يمتلك أي مؤهلات علمية، ما أدى إلى عدم نجاحه في اختبار القبول الخاص بالأكاديمية التي كان يريد الالتحاق بها، وشعر بالإهانة لرفض طلبه، ونظراً أيضاً لنقص وزنه ثلاثة كيلو جرامات.

وفي عام 1959 اشترك صدام مع المجموعة المنتمية لحزب البعث التي حاولت اغتيال عبدالكريم قاسم، رئيس وزراء العراق آنذاك، وخلال العملية – التي فشلت- أُصيب صدام في ساقه بجرح طفيف، وتم القبض على عدد من المتورطين في محاولة الاغتيال وتمكن صدام من الهرب إلى سوريا ومنها إلى مصر التي كان رئيسها آنذاك جمال عبدالناصر على خلاف مع عبدالكريم قاسم بسبب تراجع الأخير عن وعده لضم العراق للجمهورية العربية المتحدة، ومضى صدام حياته في القاهرة بحي الدقي، وكان يعيش وحيدًا بعيدًا عن اللهو وحياة الليل، وذكر البعض أنه كان دائم الشجار على المقاهي وكان يتجنب الحديث في السياسة، وخلال وجوده في القاهرة تزوج من ابنة خاله ساجدة خير الله طلفاح، وهي أم ولديه قصي وعدي اللذين قُتلا على يد القوات الأمريكية في 2003.

كثير من المصريين تحسنت ظروفهم المعيشية بالعمل في العراق أيام صدام رغم "الحصار"

وفي فجر يوم 17 يوليو 1968، تحركت دبابات الجيش وفي مقدمتها ضباط بعثيون وعلى رأسهم صدام حسين، إلى القصر الجمهوري، حيث كان الرئيس العراقي آنذاك عبدالرحمن عارف – الذي تولى منصبه بعد وفاة شقيقه عبدالسلام عارف في تحطم طائرة- لا زال نائمًا، واستسلم عارف للضباط الانقلابيين على أن يضمنوا سلامة ابنه الذي كان ضابطًا بالجيش، وسافر الرئيس المخلوع إلى لندن، وأعلنت إذاعة بغداد استيلاء ضباط حزب البعث على السلطة لتبدأ صفحة جديدة في حياة صدام حسين.

بعد وصول حزب البعث للسلطة، أصبح أحمد حسن البكر رئيسًا للعراق وصدام حسين نائبًا له، وشهد عهد البكر صعودا في الاقتصاد العراقي وتوطيد العلاقات مع الاتحاد السوفييتي، وقال البعض إن صدام كان هو "الحاكم الفعلي" للعراق، حيث عيّن أقاربه في المناصب الهامة وجعل التعليم إلزاميًا، ورأى صدام أنه لتحقيق الاستقرار في بلد مزقته الصراعات الطائفية يجب اتباع "سياسة القمع والقبضة الحديدية" وفي نفس الوقت رفع المستوى المعيشي، واتجه الرئيس حسن البكر في أواخر عهده للوحدة مع سوريا- التي كانت تحت حكم حزب البعث أيضًا- بأن يصبح البكر رئيسًا للاتحاد والرئيس السوري حافظ الأسد نائبًا له، ولكن هذا الاتحاد لم يتم حيث دبّر صدام "انقلابًا أبيض" ضد الرئيس أحمد حسن بكر الذي كان قد تقدم في العمر وساءت حالته الصحية، ووضعه صدام رهن الإقامة الجبرية في منزله حتى توفي البكر عام 1982، ومنح صدام نفسه رتبة "مهيب"- وهي تعادل "مشير" في مصر- وأصبح رئيس العراق والقائد العام لقواتها المسلحة وافتتح عهده بتصفية معارضيه داخل حزب البعث، وتأثر صدام بشخصية الرئيس السوفييتي جوزيف ستالين كثيرًا والذي عُرف بشخصيته القمعية وسياسته الحديدية، وسرعان ما دخل صدام في خلاف مع نظام الخوميني في إيران عام 1980 وخاض حربًا امتدت لثماني سنوات ضد الدولة الفارسية – سماها النظام العراقي "قادسية صدام"- راح فيها ملايين القتلى والجرحى والأسرى بجانب الخسائر والتلفيات في البنية التحتية والمنشآت ودعمت مصر والكويت والسعودية دولة العراق في هذه الحرب، وفي يوم الخميس 2 أغسطس 1990 احتلت العراق الكويت- وهو يوم سماه الكويتيون "الخميس الأسود"- وذلك بسبب خلافات حول ديون على بغداد للكويت وبسبب اتهام النظام العراقي للكويت بأنها تنقّب عن النفط في أراضٍ عراقية، ولم يستمر الاحتلال العراقي للكويت سوى 7 شهور انتهت بتحرير الكويت على يد قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة في عهد بوش الأب وبمشاركة مصر وبعض الدول العربية.

وأعدم النظام العراقي في بداية التسعينات عددًا من التجار في تهم تتعلق برفع الأسعار والغش وتهريب السلع، وهي محاكمة لم تستمر سوى يوم واحد، ما أثار استنكار الغرب وحوكم بسببها بعض رموز نظام صدام بعد الغزو الأمريكي وسقوط بغداد في 2003.

وعاش العراق تحت حصار اقتصادي منذ غزو الكويت عانى منه الأطفال والمرضى الذين دفعوا ثمن خطأ صدام حسين بغزوه لدولة الكويت.

ورغم سياسة القبضة الحديدية والديكتاتورية وسياسة "الرجل الواحد" والحزب الواحد وانتشار المعتقلات وحوادث التعذيب الوحشي الموثقة في عهد صدام حسين، إلا أن العراق في عهد الرئيس الراحل شهد استقرارًا أمنيًا كبيرًا أصبح يفتقده الآن رغم انتهاج النظام العراقي الحالي لحرية التعبير والديمقراطية النسبية وإن كان العراق الآن يعاني مما يصفه معارضون بـ"تسلط رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي".

كما عمل الكثير من المصريين- خاصة من أبناء القرى والأرياف – في العراق في عهد صدام وتحسنت أحوالهم المعيشية للأفضل بسبب ترحيب صدام بالمصريين وسخائه معهم.

وتمتع صدام بعلاقات قوية مع عدد من زعماء العرب والعالم، مثل الزعيم الجنوب إفريقي الراحل نيلسون مانديلا والفنزويلي هوجو تشافيز والكوبي فيدل كاسترو، وتوترت علاقته بنظام حافظ الأسد في سوريا بسبب مساندة الأخير لإيران في حربها ضد العراق.

القذافي استنكر إعدام صدام في عيد الأضحى قائلا: "لسنا حيوانات في زريبة"

مع استمرار تدهور العلاقات بين بغداد والغرب، خاصة بعد اللهجة العدائية لصدام حسين تجاه أمريكا وإسرائيل وحلفائهما في المنطقة مع تواصل الحصار على العراق، اتهمت واشنطن وعدد من الدول الأوروبية نظام صدام بامتلاك أسلحة دمار شامل، وهو ما كان ينفيه النظام العراقي السابق بشدة، ونفاه أيضًا تقرير وكالة الطاقة الذرية، إلا أن أمريكا أصرت على غزو العراق رغم أن قرار مجلس الأمن قال إن العراق إذا رفض التعاون مع لجان التفتيش فإنه سيتحمل "عواقب وخيمة"، وكانت تلك العبارة هي الثغرة التي استغلتها إدارة بوش الابن لغزو العراق، إذ ظن مجلس الأمن أن "العواقب الوخيمة" مجرد عقوبات دبلوماسية وليست حربًا يموت فيها الآلاف.

واندلعت المظاهرات في عدد من الدول العربية والعالم المناهضة لغزو العراق، وانتشرت الرسوم الكاريكاتورية الساخرة من الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش ورئيس البريطانية الأسبق طوني بلير، اللذين قادا الحرب.

وفي 20 مارس 2003، بدأ الغزو على العراق، وظهر صدام حسين على شاشات التليفزيون مرتديًا زيه العسكري، ودعا العراقيين شعبًا وجيشًا للصمود ضد "الأشرار" واصفُا بوش بـ"الأرعن"، وألقى قصيدته الشهيرة "أطلق لها السيف لا خوف ولا وجل"، ثم نزل الرئيس العراقي الراحل إلى شوارع بغداد وتفقد القوات ووقف وسط عدد من أبناء شعبه في حي الأعظمية وسط هتافات منهم "بوش بوش اسمع زين.. كلنا نحب صدام حسين"، وكان ذلك آخر ظهور معلن لصدام حسين قبل أن تلقي القوات الأمريكية القبض عليه في نهاية 2003 في عملية سُميت بـ"الفجر الأحمر".

في 6 ديسمبر 2003، ظهر صدام على شاشات التليفزيون، ولكن هذا المرة لم يظهر كرئيس، بل ظهر كمعتقل، وكانت هيئته مزرية جدًا، حيث نما شعر لحيته ورأسه بكثافة ودون اعتناء أو تهذيب.

وظهر صدام في 2005، في قفص الاتهام وقد بدت لحيته مهذبة وهيئته أفضل مما كانت عليه عند اعتقاله، وتم توجيه تهم له هو وعدد من أعوانه، ومنهم شقيقه برزان التكريتي ونائبه طه ياسين رمضان، تتعلق بالإبادة الجماعية لمواطنين في قرية الدجيل شمال بغداد التي تعرض فيها لمحاولة اغتيال، وكذلك بارتكاب جرائم حرب في قرية حلبجة الكردية أثناء الحرب العراقية-الإيرانية ما أدى لمقتل 5500 كردي.

في البداية، هاجم صدام حسين هيئة المحكمة واتهمها بالعمالة لقوات الاحتلال ولم يعترف بشرعيتها وظل متمسكًا بأنه الرئيس الشرعي للعراق، ولكنه لاحقًا أبدى تعاونًا مع المحكمة وترافع عن نفسه، وكان مصحفه لا يفارق يده طوال جلسات المحكمة.

"قررت المحكمة الحكم على المدان صدام حسين المجيد بالإعدام شنقًا حتى الموت" بهذه العبارة نطق القاضي رؤوف عبدالرحمن في 5 نوفمبر 2006، موجهًا للرئيس العراقي الراحل سلسلة من التهم المتعلقة بالإبادة الجماعية وانتهاك حقوق الإنسان، فما كان من صدام إلا أن استقبل الحكم بهتافات "يعيش الشعب.. يسقط العملاء.. الله أكبر وليخسأ الخاسئون.. نحن أهلها".

وفي فجر يوم 30 ديسمبر 2006، والموافق لأول أيام عيد الأضحى، تم تنفيذ حكم الإعدام في الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وهو ما أثار استياء واستنكار الدول العربية والمناهضة لغزو العراق، واستنكر قائد الثورة الليبية الراحل معمر القذافي طريقة إعدام صدام حسين وقال "نحن لسنا حيوانات في زريبة حتى تدبحونا في العيد، نحن من حقنا أن نعيش كباقي الشعوب فوق الأرض وتحت الشمس".

ورحل أبو عدي تاركًا العراق بين مرحّب بإعدامه ورحيل نظامه وبين مشفق عليه ومؤيد له ولعهده، رحل تاركًا العراق يدخل مرحلة جديدة قال مؤيدوها إنها مرحلة ديمقراطية وحرية تعبير عن الرأي افتقدها العراقيون في النظام السابق، فيما رأى معارضو هذه المرحلة أنها لا تتسم بالاستقرار الأمني وخاصة مع زيادة الهجمات الانتحارية وإحكام الأغلبية الشيعية قبضتها على البلاد بقيادة رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي، وبين هذا وذاك يمضي العراق الشقيق في طريقه نحو الاستقرار واستعادة التوازن والتقدم الذي يحلم به العراقيون جميعًا.

DMC

شبكة عيون الإخبارية