أخبار عاجلة

تسبيب الأحكام و إعادة محاكمة مبارك|بقلم د. أيمن سلامة

تسبيب الأحكام و إعادة محاكمة مبارك|بقلم د. أيمن سلامة تسبيب الأحكام و إعادة محاكمة مبارك|بقلم د. أيمن سلامة

عادت قضية «قتل الثوار» أو ما يعرف بمحاكمة القرن إلى واجهة الأحداث السياسية في ، بعد أن قضت محكمة النقض أعلى سلطة قضائية في البلاد ، بإعادة محاكمة الرئيس الأسبق حسني مبارك ووزير داخليته حبيب العادلي و مساعديه الجنرالات الستة ، حيث يمثل مبارك ورموز نظامه أمام دائرة جديدة ، تنظر في القضية نظرة قضائية جديدة وفقا لمستجدات قانونية و قضائية جديدة بالطبع .

إن الهدف الرئيسي من إعادة ” محاكمة القرن ” هو إصلاح أو تدارك الأخطاء التي شابت الحكم أمام محكمة أول درجة – محكمة جنايات شمال القاهرة – و تحقيق نوع من وحدة التفسير القانوني بين المحاكم إلي حد ما ، فإعادة المحاكمة من نقطة الصفر ليست عدولا و لكن تعديلا و إصلاحا يتوسله الطاعن لإبطال حكم صدر خلافا أو خروجا عن القانون .

إضافة إلي ذلك ، فإن إعادة المحاكمة تعد أحد أهم ضمانات العدالة الجنائية للمتهم ، و المكفولة له بموجب العديد من المواثيق الدولية ، فضلا عن التشريعات الوطنية للدول ،كما يعد التقاضي علي درجتين ، كما هو حاصل في ” قضية قتل الثوار ” ، مدعاة لتريث القاضي الابتدائي وحرصه علي الدقة في تحري وجه الحق و إعماله للقانون في تبصر و حكمة.

كانت محكمة النقض قبلت الطعون التي قدمتها هيئة الدفاع عن مبارك والعادلي ضد أحكام بالسجن 25 عاماً صدرت في حقهما مطلع يونيو الماضي. كما قبلت طعوناً تقدم بها النائب العام السابق عبدالمجيد محمود ضد أحكام البراءة التي صدرت في حق ستة من القيادات الأمنية السابقين. وبذلك يُعاد النظر في قضية قتل الثوار برمتها، لكن قرار النقض يعني أن حكم السجن 25 عاماً سيكون المدة القصوى التي يحق للمحكمة الجديدة إصدارها في حق الرئيس السابق ووزير داخليته، الأمر الذي يختلف بالنسبة إلى مساعدي العادلي، إذ يحق للمحكمة إصدار أي أحكام تراها مناسبة .

لقد استجابت محكمة النقض المصرية الي الطعون المختلفة التي تقدم بها خصوم الدعوي الجنائية، واستندت في ذلك القبول، علي عدة أسباب جوهرية موجبة، غفلت أو تجاهلتها محكمة جنايات شمال القاهرة في حكمها المتقدم، و من بين هذه الأسانيد : القصور في تسبيب الحكم ، لذا فقد عمدنا إلي توضيح و تبسيط قدر الطاقة المقصود بالقصور في تسبيب الأحكام القضائية .

قضائيا : استقرت كافة الأنظمة القضائية في العالم علي ضرورة أن يشتمل الحكم الجنائي علي الأسباب التي استند إليها، و أسباب الحكم تعني الأسانيد القانونية و الواقعية التي يقوم عليها الحكم الجنائي ، فهي الأسانيد و المقدمات المنطقية التي تقود إلي النتيجة التي خلص إليها الحكم من حيث إدانة المتهم أو براءته أو الإفراج عنه أو عدم مسؤوليته ، و أسباب الحكم تمثل التسجيل الدقيق و الكامل للجهد القضائي المبذول من قبل القاضي لإصدار الحكم ، فالتسبيب الذي يجريه القاضي يجب أن يتضمن تفسيرا يبين للكافة أسباب اتخاذه القرار علي نحو معين .

لقد قضت محكمة التعقيب التونسية عام 1979 ب ” الاقتناع بنية القتل موكول لاجتهاد حكام الموضوع شريطة التعليل الصحيح ” ، و قضت الغرفة الجنائية في المجلس الأعلى للقضاء المغربي : ” يجب أن يكون كل حكم معللا من الناحتين الواقعية و القانونية و لو في حالة البراءة ، و إلا كان باطلا و إن نقصان التعليل يوازي انعدامه ” .

لقد كان لمحكمة النقض المصرية السبق في التصدي لتعيين مفهوم تسبيب الأحكام القضائية منذ قرن من الزمان ، حين قضت في عام 1979 بأن ” ان تسبيب الأحكام القضائية من أعظم الضمانات التي فرضها القانون علي القضاة ، إذ هو مظهر قيامهم بما عليهم من واجب تدقيق البحث و إمعان النظر لتعرف الحقيقة التي يعلنوها فيما يفصلون فيه من القضايا و به وحده يسلمون من مظنة التحكم و الاستبداد لأنه كالعذر فيما يرتئونه و يقدمونه بين أيدي الخصوم و الجمهور و به يرفعون ما قد يرد علي الأذهان من الشكوك و الريب فيدعون إلي عدلهم مطمئنين ” .

لم يكن الحكم الرائد لمحكمة النقض المصرية المعين القضائي الوحيد في تفسير مفهوم تفسير ” تسبيب الأحكام ” ، فقد قضت ذات المحكمة عام 1973 بأن المقصود بتسبيب الحكم : ” تسبيب الحكم يعني تحرير الأسانيد و الحجج المبني هو عليها و المنتجة هي له سواء من حيث الواقع أو من حيث القانون . و لكي يتحقق الغرض منه يجب أن يكون في بيان جلي مفصل بحيث يستطيع الوقوف علي مسوغات ما قضي به ” .

ختاما ، نجزم أن محكمة جنايات شمال القاهرة، لم تلتزم أيضا في حكمها المتقدم بنص المادة 310 من القانون المصري للعقوبات، و الذي يلزم أن يتضمن الحكم أسباب بنائه، و أن يشار إلي النص القانوني الذي استند إليه في إصداره للحكم وأن يتحقق من انطباق النص عليه، كما يجب صياغة الدعوي بما فيها الأدلة الثبوتية و الردود علي طلبات دفوع المتهم الذي يتأثر الحكم بنتائج الفصل فيها .

أونا