صندوق النقد يواصل التحذير من المستوى القياسي لديون العالم
مباشر - سالي إسماعيل: سجل إجمالي الدين العالمي (العام والخاص معاً) مستويات مرتفعة جديدة بنهاية عام 2018.
ويناقش تقرير نشرته مدونة صندوق النقد الدولي لنائبة رئيس قسم الشؤون المالية بالصندوق "ماريالوز مورينو باديا" وكبير الاقتصاديين "باولو دودين"، الآثار الخفية الكامنة وراء تلك الزيادة في الدين العالمي.
ووصل إجمالي الدين العالمي (العام والخاص) إلى مستوى 188 تريليون دولار بنهاية عام 2018، وهو مستوى أعلى بنحو 3 تريليونات دولار عند المقارنة مع عام 2017.
وبلغ المتوسط العالمي لنسبة الديون إلى الناتج المحلي الإجمالي (والتي يتم رصدها من خلال الناتج المحلي الإجمالي لكل دولة) 266 بالمائة في عام 2018، بزيادة 1.5 بالمائة عن مستويات العام السابق له.
ورغم أن هذه كانت أقل زيادة سنوية في نسبة الدين العالمي منذ عام 2004، إلا أن النظرة العميقة في البيانات على أساس كل دولة على حدة تكشف أن نقاط الضعف آخذة في الارتفاع.
ويعني ذلك أن العديد من الدول ربما تكون غير مستعدة لمرحلة الاتجاه الهبوطي القادمة في النشاط الاقتصادي.
وتراجع متوسط معدل الدين نسبة للناتج المحلي في الاقتصاديات المتقدمة، لكن ليس هناك أيّ إشارة على دفعة قوية لتقليص الديون.
وبالنظر إلى اقتصاديات الأسواق الناشئة والدول النامية ذات الدخل المنخفض، فإن متوسط معدل الديون ارتفع أكثر.
ومن الجدير بالملاحظة أن نسبة الديون الإجمالية في الصين وصلت إلى 258 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية عام 2018.
وتتكرر نفس النسبة في الولايات المتحدة، كما أنها تقترب من النسبة المسجلة في الاقتصاديات المتقدمة والبالغة 265 بالمائة.
ليس هناك تغييرات كبيرة في 2018
ولم يكن الخفض الذي حدث في نسبة الدين العالمي خلال عام 2017 بمثابة بداية لاتجاه هبوطي، حيث أن هذه النسبة ارتفعت في العام الماضي عن مستويات عام 2016 ولكن بشكل طفيف فقط.
وبالنظر إلى الاتجاهات بشكل عام، يوجد مجموعتان منفصلتان:
الاقتصادات المتقدمة: تراجع معدل الديون للناتج المحلي في كل من القطاعين العام والخاص في معظم الدول خلال عام 2018.
ويجدر الإشارة إلى أن نصف الاقتصادات المتقدمة قامت بإدارة فائضاً مالياً في عام 2018 (بمعنى أنهم تلقوا إيرادات أكثر مما أنفقوا).
في حين أن ثلث تلك الاقتصاديات شهد تقليصاً في العجز المالي أو زيادة في الفائض المالي خلال العام الماضي مقارنة مع العام السابق له.
ومع ذلك، عند النظر في هذه المجموعة من الدول بشكل عام، فإن التغييرات في متوسط نسبة الديون الإجمالية كان قليل نسبياً، حيث انخفض بنحو 0.9 بالمائة نسبة للناتج المحلي الإجمالي.
الأسواق الناشئة والدول النامية منخفضة الدخل: لم يظهر الاتجاه الصعودي في نسبة الديون الإجمالية أيّ إشارة على التوقف أو التباطؤ في كلا المجموعتين، مع حقيقة أن الزيادة الرئيسية تأتي من الديون العامة.
وشهد متوسط نسبة الدين العام زيادة بأكثر من 2.5 بالمائة في أفريقيا جنوب الصحراء.
نقاط الضعف آخذة في الزيادة
وتكشف نظرة متعمقة في الأرقام عن الديناميكيات التالية.
في معظم الدول، نسب الدين العام مرتفعة بالمعايير التاريخية: ومع وجود بعض الاستثناءات (مثل الولايات المتحدة واليابان)، فإن الاقتصاديات المتقدمة قد بدأت بالفعل في تقليص بعض الديون المتراكمة في أعقاب الأزمة المالية العالمية.
ولكن حتى رغم ذلك، فإن معدل الدين العام يقف عند مستويات أعلى مما كان عليه قبل عام 2008 في تقريباً 90 بالمائة من الاقتصاديات المتقدمة.
وفي ثلث تلك الاقتصاديات، فإن معدل الدين العام للناتج المحلي كان أعلى 30 بالمائة مقارنة بمستوى ما قبل الأزمة.
أما في الأسواق الناشئة، فإن متوسط معدل الدين العام قد ارتفع إلى مستويات مشابهة لتلك السائدة خلال الأزمات التي وقعت في منتصف الثمانينيات والتسعينيات.
ويقف معدل الدين العام أعلى 70 بالمائة في خُمس الدول تقريباً.
وفي الوقت نفسه، كان هناك تراكم مطرد في الدين العام داخل الدول النامية ذات الدخل المنخفض ككل، مع حقيقة أن خُمسي تلك الاقتصاديات عرضة لخطر مرتفع من الوقوع في أزمة ديون أو أنها وقعت بالفعل في أزمة.
تختلف تطورات الديون الخاصة - خاصةً ديون الشركات - بشكل كبير بين الدول.
وعلى عكس الدين العام، فإن الزيادة في الدين الخاص العالمي خلال العقد الماضي قد تم توزيعها بشكل غير عادل.
وفي الدول المتقدمة، زاد معدل ديون الشركات نسبة للناتج المحلي بشكل تدريجي منذ عام 2010 وتقف الآن عند نفس المستويات المسجلة في الذروة السابقة خلال عام 2008.
لكن يوجد اختلافات كبيرة، حيث أن بعض الاقتصاديات الكبيرة مثل إسبانيا والمملكة المتحدة قد قللت مستويات ديونها بكميات هائلة منذ الأزمة المالية العالمية.
بينما شهدت الولايات المتحدة نمواً مستمراً في ديون الشركات منذ عام 2011 لتصل إلى مستوى قياسي مرتفع بنهاية عام 2018.
ويكمن النمط الشائع بين العديد من الاقتصادات الكبرى في الاستخدام المتزايد للديون من أجل المخاطرة المالية (لتمويل توزيعات الأرباح وإعادة شراء الأسهم وعمليات الدمج والاستحواذ) إضافة إلى السندات ذات الدرجة غير الاستثمارية (المضاربة).
ويمكن أن يفاقم ذلك من الصدمات إذا تعثرت تلك الشركات عن سداد الديون أو قررت تقليص ديونها من خلال خفض الاستثمارات أو طرد العمال.
وفي الوقت نفسه، تراجع معدل ديون الأسر في الاقتصاديات المتقدمة بشكل عام مقارنة مع عام 2008، مع ملاحظة الهبوط الكبير في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في مقابل تسجيل زيادات في ثلث الاقتصاديات المتقدمة.
وفي الأسواق الناشئة باستثناء الصين، شهد متوسط معدل ديون الشركات تراجعاً منذ عام 2015 ويقف حالياً عند 4.5 بالمائة أعلى مستويات عام 2009، لكن تلك الدول لم تكن محصنة ضد تدهور جودة ائتمان الشركات.
وسجل معدل ديون الأسر في تلك الدول زيادة بشكل مطرد، لكنها لا تزال عند نصف مستواها في الاقتصاديات المتقدمة.
جهود الصين في كبح ديون الشركات استمرت في عام 2018.
تراجعت ديون الشركات في الصين، في حين أن الديون السيادية ارتفعت بشكل كبير كما أن ديون الأسر استمرت في الارتفاع خلال عام 2018.
ويأتي ذلك على خلفية ديون الشركات المتزايدة خلال العقد الماضي، الأمر الذي ساهم في أكثر من نصف الزيادة في ديون الشركات عبر كافة أنحاء العالم.
وعلى النقيض من الوضع قبل الأزمة المالية العالمية، فإن المخاطر لا تتركز فقط في القطاع الخاص لكن كذلك في القطاع العام، الأمر الذي يعكس جزئياً الإرث الذي لم يتم حله بشأن الأزمة المالية العالمية.
وكما ناقشنا من قبل، فإن مستويات الديون الخاصة المفرطة تزيد من التعرض للصدمات ويمكن أن تؤدي إلى عملية مكلفة ومفاجئة لخفض الديون.
لكن تقليل الدين في القطاع الخاص ربما يكون كذلك، بدوره، عبئاً على القطاع العام المثقل بالديون بالفعل إذا أدى هبوطاً في الأداء الاقتصادي إلى عوائد منخفضة أو تخلف الشركات عن سداد الديون الأمر الذي يثير خسائر ويقيد عمليات الإقراض من قبل البنوك.
وبالتالي من الهام تقليل نقاط الضعف تلك قبل الصدمة السلبية القادمة.

