أخبار عاجلة

المخابرات تستعين بالصحافة ورجال الدين لرفع الروح المعنوية بعد النكسة

المخابرات تستعين بالصحافة ورجال الدين لرفع الروح المعنوية بعد النكسة المخابرات تستعين بالصحافة ورجال الدين لرفع الروح المعنوية بعد النكسة

التحرير

ارسال بياناتك

لم تكن حرب أكتوبر بالأسلحة والذخائر فقط، ولكن لعبت المخابرات المصرية دورا كبيرا لرفع الروح المعنوية للشعب بعد حرب النكسة 1967، حيث استعانت المخابرات بالصحف ورجال الدين لوأد الفتن التي كانت يبثها الموساد الإسرائيلي بين المصريين فترة ما بعد النكسة، في الوقت الذي كان الجيش يعد العدة لحرب السادس من أكتوبر العظيمة.

في نوفمبر 1968، عقب نكسة يونيو بعام واحد، تمكنت المخابرات العامة من ضبط مصري يعمل جاسوسا لصالح العدو الإسرائيلي، بداخل شقته بمصر الجديدة، وبالتحقيق معه من قِبل رجال المخابرات، وتحديدا الرائد "عادل"، اعترف الجاسوس أن المعلومات التي كان يرسلها حصل عليها عن طريق الإنصات إلى أحاديث الناس في كل مكان، فالناس تتحدث كثيرا عما عرفوه أو رأوه أو سمعوه، وهو بدوره ينقل تلك المعلومات للجانب الإسرائيلي، ليحللوها ويستنتجوا منها الأخبار.

يقول الكاتب نبيل فاروق في كتابه "الدرس"، إن الرائد "عادل"، توقف كثيرا عند ذلك الاعتراف، فالعدو الإسرائيلي يحصل على أكثر من نصف معلوماته عن طريق الإنصات لأحاديث الناس العابرة، فكل شخص يعرف حقيقة ما أو سمع أمرا ما، يتباهى بالحديث عن معلوماته في كل مكان، دون اهتمام أو حذر، يتحدث في العمل والبيت والشارع وأماكن اللهو والمرح، لدرجة أن المواطنين كانوا يطلقون على إحدى محطات الأتوبيس بكل بساطة محطة "المطار السري" (وهو بالفعل كان مطارا عسكريا سريا)، وهذا التسريب الرهيب يخدم العدو بأكثر مما تخدمه طائراته ودباباته.

المعلومات التي حصل عليها ضابط المخابرات من الجاسوس عرضها في حجرة الاجتماعات الخاصة بجهاز المخابرات، أثناء إقناع قادته بضرورة رفع الوعي المجتمعي لدى المواطنين، وعدم الحديث عما يرونه أو يسمعون به، خاصةً أن البلاد ليست في وقت طبيعي، بل في حالة حرب تعتمد في المقام الأول على المعلومات.

ومن أجل ذلك أعدَّ الضابط الشاب خطة طويلة المدى، لإقناع المواطنين بأن كل معلومة يتحصلون عليها ويتفوهون بها تعني أن طريق النصر سيصبح أكثر بعداً إذا لم يسد تماما، واعتمدت خطته على شن حملة ضخمة على كل المستويات لتوعية الناس بضرورات الأمن، وتعريفهم بأساليب العدو في جمع المعلومات، ومنعهم من الإفصاح بما لديهم من معلومات تحصَّلوا عليها.

شاهد أيضا

وبدأ "عادل" خطته بأكثر الأشخاص الذين يستطيعون التأثير في المواطنين، وهم رجال الدين لثقة الناس بهم وطاعتهم لهم، واستغلال دور العبادة من أجل ذلك الغرض، من خلال الدروس الدينية وخطبة يوم الجمعة، ومن أجل ذلك الغرض عقد ضابط المخابرات اجتماعا موسعا مع عدد كبير من رجال الدين، من شيوخ وقساوسة، وشرح لهم فكرته والأسلوب الأمثل لتحقيقها، واقتنع الجميع بالفكرة وانطلقوا في كل مكان يرفعون من وعي المواطنين وتنبيههم بذلك الشأن.

وبعد رجال الدين جاء دور الطوائف الأخرى، التي يمكنها التأثير في المواطنين، مثل الأدباء والصحفيين ومؤلفي الأغاني ومخرجي المسلسلات الإذاعية والتليفزيونية، وعقد مع عدد كبير منهم اجتماعا موسعا، وشرح الضابط الشاب الفكرة لهم، وطلب منهم شد انتباه المواطنين من خلال ما يقدمونه من مقالات وكتب وروايات، وأعمال فنية وترفيهية إلى الخطر الرهيب الكامن في الأحاديث غير المسئولة في الشوارع ووسائل المواصلات.

وبالفعل انطلقت أقلام الصحفيين والكتاب والمؤلفين بدافع الوطنية، لتوعية الناس، وكذا المسلسلات والبرامج الإذاعية والتليفزيونية، وتم إطلاق المسلسلات التي تحاول شرح أبعاد وخطورة الموقف مثل "كلاب الحراسة، اللصان والجاسوس، لا أرى لا أسمع لا أتكلم"، وكُتب مثل "البعثة 69، المصيدة"، وبرامج مثل "قصص الجاسوسية" و"الحرب النفسية"، و"جند الله"، وأشهرها برنامج "نور على نور" للمذيع الشهير "أحمد فراج"، كما عكف كُتَّاب كبار على كتابة سلسلة مقالات في الصحف أمثال "أنيس منصور"، و"عبد السلام داود"، و"جميل عارف" وغيرهم كثيرون.

وبالفعل تغيرت عقول الناس وتشكل لديهم وعي مجتمعي بضرورة عدم التحدث عن المنشآت الحيوية، أو ما لديهم من معلومات تخص الأمن القومي، ولجأت المخابرات إلى كتَّاب بعينهم لتغيير صورة جهاز المخابرات العامة في عقول الناس التي شوهتها نكسة يونيو 1967، مثل الكاتب الكبير "ماهر عبد الحميد"، الذي ظل يكتب مقالات أسبوعية في معظم الصحف القومية الكبرى، يتحدث فيها عن قوة وقيمة المخابرات المصرية، وأنها الدرع الواقية للبلاد، والسبيل الأمثل لحماية الوطن من أعدائه، وأن المخابرات ليست لها صلة قط بعمليات القمع، التي يتعرض لها بعض المواطنين.

ونجحت الحملة الإعلامية تماما، لدرجة أن جريدة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية نشرت مقالاً في عددها الصادر بتاريخ 1972/4/26، تحذر فيه من الحملة المكثفة التي تقوم بها المخابرات المصرية والإعلام المصري لتوعية المواطنين، وأن العملاء الإسرائيليين أصبحوا لا يحصلون على معلومات مكثفة من المواطنين، وبالفعل أتت الحملة ثمار نجاحها، مع الاستعدادات التي سبقت حرب أكتوبر 1973، عندما كانت تحركات قطع الجيش واضحة للجميع في قلب القاهرة، وعربات نقل الجنود وقوافل الدبابات والمدفعية، دون أن تنفك الألسن كما كان يحدث من قبل، وأصبح المواطن المصري البسيط يسمع الأسرار ويراها دون أن يتكلم بشأنها.

التحرير