أخبار عاجلة

الكاتبات العراقيات يحاربن على أكثر من جبهة

كاتبات عراقيات يجتمعن في كولونيا للحديث عن تجاربهنتعتبر تجربة المرأة العراقية في الكتابة خلال العقدين الأخيرين تجربة متواضعة مقارنة بدول عربية أخرى، فظروف الحرب وعدم الاستقرار في البلد ساهمت أيضا في تراجع الكتابات النسائية هناك، إضافة إلى النظرة الذكورية لإبداعاتهن."في البداية كنت قارئة، لكن في فترة الحصار لم أستطع الحصول على الكتب، فكان لا بد من إبداع شيء، كانت الكتابة منفذي الوحيد، فصرت أكتب وأقرأ، كي أتغلب على الحرب".

هكذا تصف الكاتبة العراقية الشابة إيمان الشمّري تجربتها التي خاضتها مع الحرب والكتابة في ريف محافظة البصرة جنوب العراق. لم تكن الكتابة أمراً سهلاً بالنسبة لإيمان التي تنحدر من اسرة بدوية، عانت من ظروفٍ اجتماعية صعبة حيث كان المجتمع المحيط والرقابة التي يفرضها من أهم الصعوبات التي واجهتها ككاتبة.

تقول إيمان لـ DW عربية "بدأتُ الكتابة في عمرٍ مبكر ضمن النشاطات المدرسية، لكني لم أكن استطيع من أن أخبر أهلي أني أكتب، خاصة في مرحلة المراهقة، كنت أخاف أن يرى أبي أو أخي ما أكتب، لكن بعد سقوط صدام حسين، أصبح النشر أسهل، وأصبحت أنشر باسم مستعار، وبعدها أصبح هناك تهديد حقيقي علي عندما طُلب منى الكشف عن هويتي، وكان الأمر غير ممكن، فبقيت عشر سنوات أنشر دون اسمي، لكني عملت جاهدة لأعلن عن نفسي وأنشر باسمي وأكسب احترام أهلي".

تغيير المجتمع والتحديات

ثلاث كاتبات من العراق اجتمعن على منصة واحدة في مدينة كولونيا بألمانيا يسعين إلى تحدي مجتمع الجنوب العراقي، ويعلن للعالم أنهن كاتبات، جئن من بلد مزقته الحرب التي تنعكس على ما يكتبن، كما تؤكد الكاتبة منتهى عمران لـ DW عربية. وتضيف: "نحن نتكلم عن مظلوميتنا لننال حقوقنا، فعندما رفعنا صوتنا وتلكمنا وصلنا إلى ألمانيا، لكن في مجتمعنا فالمرأة بحاجة للشجاعة لتنال حقوقها أكثر".

من جانبها ترى الكاتبة ميرفت الخزاعي أن الكاتبات في العراق تقع على عاتقهن اليوم مسؤولية تغيير نظرة المجتمع لهن قبل كل شيء، وتقول ميرفت لـ DW عربية "لا نعيش تحديات تتعلق بواقع الكتابة فقط، إذ أننا مرفوضات كنساء بالدرجة الأولى، ويُنظر إلى أعمالنا بنظرة خاصة من قبل القراء كوننا نساء، وعادة لا يؤمن بنا القراء كثيراً، كما ينظر لنا القراء خاصة الذكور منهم نظرة دونية عند طرح بعض المواضيع الجريئة، فنُقابل بردات فعل سلبية، ومن بين الصعوبات أننا نعمل على تغيير نظرة القارئ لنا وهذا يحتاج لوقت".

وتضيف الخزاعي "للأسف سقطت السلطة السياسية في العراق مع سقوط نظام صدام حسين، لكن سلطة المجتمع لم تسقط وهذا ما نعاني منه".

الكاتبات العراقيات – إغناء للتجربة

في عام 2015 شاركت الكاتبات الثلاث مع عشرين كاتبة أخرى في ورشة أقيمت في مدينة البصرة بالعراق برعاية ألمانية لدعم النساء الكاتبات، وبهدف تحفيز النساء للتعبير عن أنفسهن. الورشة كانت بإشراف الكاتبة الألمانية أولا لينتر والكاتب العراقي المقيم في ألمانيا نجم والي، حيث تحدثت لينتر عن تجربتها مع السيدات العراقيات، معتبرةً أن هذه التجربة من أكثر الأمور التي أثرت في تجربتها، وتقول "الدولة الألمانية تحذر من السفر للبصرة لكني، مع ذلك، قررت السفر إلى هناك، وكانت تجربة مؤثرة، شاركت بتجربتي مع النساء في بيت قديم، في المدينة القديمة، كن يعشن ظروفاً صعبة، لكن كل شيء كان له سحر خاص".

وتضيف لينتر "خلال الورشة كان هناك تواصل مع النساء بشكل مباشر، وأصبح بيننا أحاديث مشتركة، هناك الكثير من التشابه حتى ولو كنا من عوالم مختلفة، قد تكون الحياة في ألمانيا أسهل، لكن بالكتابة يمكن التوصّل لقواسم مشتركة، وبنفس الوقت أصبحت أخجل عندما كانت النساء يشكرنني لأني قدمت إليهن، لأن لديهن شعور بأنهن منسيات من طرف الناس وكل الدنيا".

بدوره عبر الكاتب نجم والي عن إعجابه بهذه التجربة واعتبر أن لها بعداً ديناميكياً، فمن خلال التواصل مع السيدات حصل على تصور عن البصرة القديمة، كذلك شاركنه تفاصيل حياتهن في البصرة الآن، فساهم كل منهن بإغناء تجربة الآخر.

ويقول والي "بسبب الحروب التي عاشتها العراق، أصبح البلد غنياً بالقصص، وربما يمكن إذا ضربت حجر قد تخرج قصة، ولقد أعجبت بحماس السيدات للكتابة، الهدف الرئيسي من هذه الورشة هو أن تستمر النساء في الكتابة، وفيما لو استمرت 10 نساء من 20 بالكتابة فهذا شيء مهم".

اكتشفنا أنفسنا وغيرنا

عشرات الرجال جاؤوا إلى المسرح ليستمعن لأدب تم إنتاجه من قبل نساء، كانوا لا يعترفون بوجودهن من قبل، كما تقول منتهى عمران "عندما كان الألمان يسألون عن كاتبات للمشاركة في الورشة كانوا يقولون ليس لدينا، لكنهم تفاجؤوا بنا، الرجال تفاجؤوا بنا، كنت جريئة ولمتهم لعدم دعوتي، ولمتهم لأنهم لم يعرفوا عني بأني كاتبة، ولم يشعروا بأهمية حضورنا".

في حين تقول إيمان "الورشة أعطتني دعماً معنوياً، أصبحت أقوى، وبدأت أكتب باسمي، حتى أهلي بدأوا يحترمون ما أفعل، وعلموا أن الكتابة ليست شيئاً يمس كرامتهم كرجال، خاصة بعد تكريمي ونيل جائزة، أدركت أنه لا يمكنني أن أكون كاتبة في هذا المجتمع إلا إذا كنت كاتبة قوية، فللأسف لا زلت أعيش تحت سطوة البداوة المتخلفة".

أما تجربة ميرفت مع الورشة فجاءت من منظور مختلف، إذ سمحت التجربة لها بالاختلاط بكاتبات من أماكن مختلفة من العراق. كانت تجهل وجودهن أحياناً، كما كانت تحمل بعض التصورات النمطية عنهن، والتعامل معهن ساهم في كسر هذه الحواجز، وتقول "في البداية كان لدي تردد وتخوّف من مشاركة نساء أخريات ينتمين لتوجهات مختلفة وطوائف مختلفة، لكن عندما بدأنا العمل مع بعضنا وتعرفنا على بعضنا أكثر، ساهم ذلك في تقريب وجهات النظر، وربما كنات هذه الفرص في العمل الجماعي فرصة لكسر الصورة النمطية، وهذا ينعكس على العراق بالمستقبل".

من جانبه يقول الكاتب نجم والي "في الورشة لم نعط نصائح فقط، بل ساعدنا النساء على الإستماع لبعضهن البعض، وإتقان فن الإصغاء، في البداية لم يكن هناك تجاوب، لكن بعد ذلك أثبتت هذه الطريقة نجاحها".

رجال يتعرفون على كاتبات من العراق

كان للكاتبات الثلاث تجربة مباشرة مع الجمهور أيضا، حيث صرحن عاليا "نحن هنا"، ككاتبات عراقيات، لنا مكانتنا على الارضية الثقافية في العراق. المثير للإستغراب هو أن الرجال شكل غالبية الحاضرين، كما تلاحظ الكاتبة أولا لنتر.

من جهتها تقول منتهى عمران إن "بعض العائلات لا تسمح بمشاركة بناتها أو الزوجة في ورشات مختلطة، لذلك تكون هذه الورشات للنساء فقط، كي لا تحرم النساء من فرصة الإبداع، لكن الفرصة الحقيقية تكون أثناء تقديم إنتاجهن أمام الرجال".

أما ميرفت الخزاعي فهي تعتبر أن "هذه المحاولات هي خطوة على الطريق الصحيح، إذ لا تعاني الكاتبات العراقيات في العراق من كونهن نساء فقط، بل يعانين في كثير من الأحيان من مشاكل النشر والتوزيع في العراق وفي العالم العربي، وعندما يقمن بنشر أعمالهن، فإنهن يحاربن على أكثر من جبهة".

ر.ج
>G58625b91d8743.png
>

أونا